العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٤٩لأبي مسلم البهلاني
العقيدة الوهبية وأَنَّ المُدْرَكَ مِنَ الشَّبَح البَعِيدِ هُو خُصُوصِيَّتُهُ المَوْجُودَةُ إِلَّا أَنَّ إِدْرَاكَهَا إِجْمَالِيٌّ لَا يُتَمَكَّنُ بهِ عَلَى تَفْصِيلِهَا، فَإِنَّ مَرَاتِبَ الإِجْمَالِ مُتَفَاوِتَةٌ قُوَّةً وَضَعْفَاً، وَإِذا لَا يَجِبُ كَوْنُ
كُلَّ إِجْمَالٍ وَسِيلَةً إِلَى تَفْصِيلِ أَجْزَاءِ المُدرَكَ،
ومَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْوَالِ فَتَلَاشَتْ تَرْوِيْجَاتُكُمُ المُتكَلَّفَةُ بِهَذا المَسْلَكِ الْمَوْهُومِ، وَذَهَبَتْ أَدْراجَ الرِّياحِ، وَمِنْ هُنا تَقَاصَرَ مُتَكَلِّمُوهُم كَأَبي مَنْصُورِ المَاتُرِيدِي على الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ العَقْلِيُّ. وقَالَ الغَزَاليُّ: إِنَّ كُبْرَى المُقَدِّمَتَيْنِ مِنْ قِياسِهِم كَاذِبَةٌ. وبَقِيَ أَنْ أُعَرِّفَكَ أَصْلَهُمُ النَّقْلِيَّ، ثُمَّ نُتُبِعُه بِبُرهَانِ الإِسْتِقَامَةِ عَلَى كَشْفِ السُّبْهَةِ عَمَّا تَوَرَّكُوا عَلَيه، وباللَّهِ التَّوفِيقُ.
فَنَقُولُ: اسْتَدَلَّ القَوْمُ عَلَى مَذْهَبِهِم هَذا بِدَلائِلَ سَمْعِيَّةَ مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ولا حُجَّةَ لَهُمْ هُنَا لِمَا سَتَعْلَمُهُ.
"
أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ ": إِلَى رَبِّهَا " مُتَعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُه " ناظرةُ " وقَدَّمَ المُتَعَلِّقَ بِطَرِيقِ الاِهْتِمَامِ والحَصْرِ ولِلْفَاصِلَةِ، وَهَذا الحَصْرُ المُتَبَادِرُ يُفيدُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنِى
تَنْظُرُ أَبْصَارُهُم إِلَى ذَاتِهِ تَعَالى؛ لأَنَّ مُدَّعِيَ الرُّؤيَةِ لا يَقُولُ يَنْظُرُ إِلَى ذَاتِهِ فَقَطْ دَائِمَاً وإِنْ قَيْلَ: التَّقْدِيمُ ليسَ لِلْحَصْرِ، بَقِيَ أَنَّ النَّظَرَ إِلى الذَّاتِ وَلَوْ أَقَلَ مِنْ لَحْظَةٍ مُوجِبٌ لِلتَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عُلُوّاً كَبِيراً عَنْهُ.
و " نَاظِرَةٌ " خَيْرُ ثَانِ، وَمَعْنَاهُ مُنْتَظِرَةٌ ومِنْ بَابٍ تَعَدِّي النَّظَرِ – بِمَعْنَى الإِنْتِظَارِ - –
بإلَى قَوْلِهِم:
أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَيْكَ أَيْ أَنتَظِرُ فَضْلَا لِلَّهِ ثُمَّ فَضْلَكَ.
•
وقَوْلُ الشَّاعِر:
وُجُوهٌ نَاظِرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلَى الرَّحْمَنِ يَأْتِي بِالْفَلَاحِ
وقَوْلُ آخر:
كُلُّ الخَلَائِقِ يَنْظُرُونَ سُبْحَانَهُ نَظَرَ الْحَجِيجُ إِلَى طُلُوعِ هِلَالِ
ومِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى " فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ " وقَالَ عَليٍّ: نَاظِرَةٌ؛ أَيْ: تَنْتَظِرُ مَتَى
يَأْذَنُ لَهُمْ رَبُّهُم فِي دُخُولِ الجَنَّةِ.
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 49