العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٥٣العقيدة الوهبية
وعَنِ الحَسَنِ: نَاظِرَةٌ إِلى سُلْطَانِ رَبِهَا وَقُدْرَتِهِ وَتَدْبِيْرِهِ.
لأبي مسلم البهلاني
ورُوي مَاتَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِد، والفُضَيْلُ بن عِياض، وجَليل بن عَبْدِ المَجِيد الطَّائِي، وعَمَّار ابن أُخْت سُفْيَان الثَّوْري، ومَنْصُور بن المُعْتَمِر بن سُلَيْمَانٍ عَن أَبِيهِ عَنْ وَكِيع بن الجَرَّاح، وأَسْبَاط بن مُحَمَّد عَنْ يَحْيَى بِنْ أَبي زَكَرِيَّا عَنْ زِيادٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُونِس، وعِيْسى بن يُونس عَن اللَّيْثِ وهو الرَّاوي عَن مُجَاهِد؛ سُئِل صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم هل تَرَى ربَّكَ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وأنّى أَرَاهُ أَي كَيْفَ أَرَاهُ، فَأَنْكَرَ رُؤْيَتَهُ، فَإِنْ قِيْلَ: أَنْكَرَها في الدُّنْيا. قُلْنَا: مَا يَجِبُ تَنْزِيْهُ اللَّهِ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهُو
فِي الْآخِرَةِ وَاجِبٌ، وَلِهَذَا قَدم صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم التَّسْبِيحَ إِشْعَارِاً بِأَنَّ المَقَامَ مُسْتَحِيلٌ على اللهِ يَجِبُ تَنْزِيْهُهُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ إِنْكَارُهُ لِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا لَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ لِوَقْتِ كَرَامَتِهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ولَكِنْ لَأَوَّلِ وَهْلَةٍ افْتَتَحَ فِي جَوَابِهِ لِلسَائِلِ بِالتَّسْبِيحَ اللهِ قَطْعاً لِلْأَطْمَاع، وأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لا يُحَاوِلُهُ مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نَبِيُّ مُرْسَلٌ، ولا هُوَ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَلى عَظَمةٍ خُصُوصِيَّتِهِ، لافي الدُّنْيَا ولافي الآخِرَةِ. قَالُوا: إِنَّ الآيَةَ فَضْلاً عَنْ كَوْنِهَا دَلِيلًا لجَوَازِ للرُّؤْيَةِ هي دَلِيْلٌ لِوُجُوبِ الرُّؤْيَةِ لِحُكْمِ الوَعْدِ؛ لأَنَّهُ وَعَدَها أَوْلِيَاءَهُ.
قُلْنَا: دَلَالَةُ الوُجُوبِ والجَوَازِ مُنْتَفِيَةٌ قَطْعَأ، فَلَا جَوَازَ فَضْلاً عَنْ الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ حَقِيقَةً تَقَلُّبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَنْظُور إِلَيْهِ، وذَلِكَ يَسْتَلِزمُ الجِهَةَ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ
سُبْحَانَهُ.
بَقِيَ لَكُمْ التَّشَبُّثُ بِكَوْنِ المُرَادِ بِالنَّظَرِنَفْسَ الرُّؤْيَةِ مَجَازَاً وَهَذَا يَنْتَقِصُ عَلَيْكُم بالآيَةِ النَّافِيةِ لِلإدْرَاكِ، ولامَحِيصَ لَكُمْ مِنْ كَوْنِ الرُّؤْيَةِ إِدْرَاكَاً وَثَمَرَةٌ لِلْحِنِّ، وَتَسْتَدْعِي مَحْسُوسَاً تَقَعُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ (لَا تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارَ يَمْنَعُ عَلَيْكُم الطَّرِيقَ، فارْجِعُوا ورَاءكُمْ وَلا يُجْدِيكُم صَرْفُ المُرَادِ إِلَى الدُّنْيَا؛ فَشَأْنُ اللَّهِ فِيْمَا يَتَمَجَّدُبِهِ، وفي نُعُوتِ جَلَالِهِ وخَصَائِصَ أُلُوهِيَّتِهِ وَاحِدٌ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ومِنَ القَدَم بِلَا بِدَايَةٍ وإلى الْأَبَدِ بِلَا نِهَايَةٍ، فَذَرُونَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْعَبِيَّاتِ البَارِدَةِ، والأَطْمَاعِ الفَارِةِ، وَالتَّجَهُمَاتِ القَادِحَةِ فِي ذَاتِ اللهِ وصِفاتِهِ.
هَذِهِ آيَةُ لَاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ تَشْهَدُ عَلَيْكُم بِعَمَى الأَبْصَارِ وَالجَهَالَةِ فِي سَبِيْلِ تَنْزِيهِ رَبِّكُمْ بِلا قَرِينَةٍ تَصْرِفُهَا إِلى تَخْصِيْصِ فِي الإِطْلَاقِ والعُمُومِ الَّذِي نَصَّتْ عَلَيْهِ، فَلَا تَرَاهُ الْأَبْصَارُ فِي أَيْ زَمَانٍ بِرُوْيَةٍ مَا بِبَصَرٍ حِسّي ولا قَلْبِيِّ، وَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى أَنَّ
"
الإِدْرَاكَ مَوْضُوعٌ لِرُؤْيَةِ الشَّيء، ورُؤْيَتِهِ تُفِيدُ العِلْمَ بِهِ مِنْ كُلِ وَجْهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوضع الإِدْرَاكُ لِمُطْلَقِ الرُؤيَةِ، وإِذَا حُصِرَ عَلى خُصُوصِ ما يُفيد العِلْمَ مِنْ كُلِ وَجْهِ نَفَاهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ.
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 53