العقيدة الوهبية ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

العقيدة الوهبية

الجزء ١ · صفحة ٥٤

العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني وأَمَّا كَوْنُهُ لِمُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ فَالإِدْرَاكُ لَمْ يُوْضَعْ لَهُ، فَمُطْلَقُ الْإِدْرَاكِ لَيْسَ هُو مَنْفِيٌّ الآيَةِ، إِنَّمَا المَنْفِيُّ الإِدْرَاكُ المُقَيِّدُ لِلْعِلْمٍ؛ لأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ (آل) في الْأَبْصَارِ لِلْحَقِيْقَةِ فانْتَقَى الإِدْرَاكُ: أَيْ الرُّوْيَةُ مُطْلَقَاً مِنْ حَقِيقَةِ البَصَرِ، فَكُلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ البَصَرِ الحَقِيقِي لا يَرَى اللَّه أَوِ التَّعْرِيْفُ لِلإِسْتِغْرَاقِ حَقِيْقَةً، بِمَعْنَى كُلُّ كُلُّ بَصَرِ وَالنَّفْيُ مَعْ ذَلِكَ كُليَّةٌ لا كُلَّ أَعْنِي لِعُمُومِ السَّلْبِ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْ النَّفِي. وذَلِكَ كَثِيرٌ فِي القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ)، (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ)

ونخوه.

والدَّاعِي لِذَلِكَ أَنَّ دَعْوى جَوَاز رُؤيته يدلُّ عَلَى جَوَاز النَّقْصِ عَلَيْهِ؛ لَأَنَّ الْمَرْيَ يَّلَوْنٌ وجِسْمٌ وحَالٌّ فِي مَكَانِ، ولَه عَرَضٌ؛ لأَنَّ لِكُلِ جِسْمِ عَرَضاً وَتَرْكِيباً وجِهَاتٍ ستا، وَحَاجَةً، وَجَرَيانَ زَمَانٍ عَلَيْهِ وحُدُوثَاً وعَجْزاً عمَّاً بَعْدَ عَنْهُ، وَاحْتِجَابِاً عَمَّنْ لَا يَحْضُره، فَلِلُزُومٍ هَذِهِ النَّقَائِضِ مَع الرُّؤْيَةِ يَجِبُ تَأْوِيلُ حَديثِ ": إِنَّكُم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ البَدْرَ " بِمَعْنَى أَنَّكُم سَتُحقِّقُونَ وُجُودَهُ وَوَعْدَهُ وَ وَعِيْدَهُ وتَزيدُونَ يَقْيِنَا كَمَا تَكَشِفُونَ البَدْرَ.

وهذا كَمَا تَعْلَمُ أَشْيَاءُ، وتَجْزمُ بِوُجُودِهَا وبصِفَاتِهَا ولَمْ تَرَهَا وَلَمْ تُحِسَّهَا، وَإِذَا رَأَيْتَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تَصِفَهَا بِالمَكَانِ والجِهَةِ، وتُكَيِّفَهَا بِأَمْرِ، فَبَطَلَ مَا يُقَالُ: إِنَّهُ كَمَا نَعْلَمُهُ بِلَا مَكَان ولا حَدٍ

ولا كَيْفٍ، كَذَلِكَ تُبْصِرُهُ بِلَاحَدٍ وَلا مَكَانِ وَلا كَيْفِ؛ لأَنَّ الرُّؤْيَةَ لابُدَّ فِيهَا مِنْ تَكْيِيفِ وَحَدٍ وَمَكَانِ

وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَأْوِيلُ " إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " كَمَا ذَكَرْتُهُ هُنَا.

فالرُّؤْيَةُ لِمَنْ أَنْصَفَ ولَمْ يُكَابر عَقْلَهُ، لا بُدَّ فِيهَا مِنْ لُزُومِ النَّقْصِ فِي حَقِ العَلِيِّ الأَعْلَى، والوَاجِبِ لَهُ مُطْلَقُ الكَمالِ، فَنَفْيُه - سُبْحانَهُ - إِيَّاهَا عَنْ نَفْسِهِ نَفْسٌ لِلْنَقْصِ

وَكَمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ - تَعَالَى - سَائِرُ النَّقَائِصِ، ولا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ الوَصْفِ لِشَيْءٍ لِلذَّاتِ امْتِنَاعُ أَن يُذْكَرَ نَفْيُهِ، فَالشَّرْكةُ مُمْتَنِعَةٌ عَنْ اللَّهِ بِالذَّاتِ، وَقَدْ نَفَاهَا اللَّهُ

جلَّ وعَلَا -؛ فَكَمَا نَفَى الشَّرْكَةَ مَدْحاً وتَعْظِيْماً، كَذَلِكَ نَفْى الرُّؤْيَةَ مَدْحَاً وتَعْظِيْماً، فَلَا يُقَالُ: إِذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مُمْتَنِعُ الرُّؤية لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَم رُؤْيَتِهِ مَدْحٌ وتَعْظِيم، وإِذَا كَانَ الإِدْرَاكُ مَوْضُوعَاً لِمُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ فَلِمَ خَصُّوه بالإِحَاطَةِ فِي الآية؟ مَعْ أَنَّ الْحَدِيثَ لِذَلِكَ هُوَ حَدِيْثُ الرُّؤْيَةِ يَجِبُ تَأْوِيلَهُ لأَدَائِهِ بِلَا تَأْوِيلٍ إِلَى مُسْتَحِيْلٍ.

وقَدْ عَلِمَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ بِذَلِكَ إِلى أَنْ تَسَتَّرُوا بِنَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ، وَهُو قَوْلُهم: يُرِى بِلَا كَيْفِ، بَلْ قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: -) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) لِيَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيْلَةٌ بَعِيْدَةٌ فَائِتَةٌ كَالشَّيْءِ الَّذِي فَاتَ بِحَيْثُ لَوْ أُريدَ الإِلْتِحَاقُ بهِ، وَاجْتُهِدَ فِي ذَلِكَ لَمْ يُدْرَكْ

شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية

صفحة 54