العقيدة الوهبية ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

العقيدة الوهبية

الجزء ١ · صفحة ٥٥

العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني ولا دَلِيلَ عَلَى اخْتِصَاصِ نَفْي رُؤْيَتِهِ بِالدُّنْيا إِلَّا ذَلِكَ الْحَدِيثُ وَتِلْكَ الرُّؤْيَةِ، وَقَدْ عَلِمْتَ وُجُوبَ تَأْوِيْلِهِمَا.

ولا يَضُرُّنا أَنَّ (يُدْرِكُ) في قَوْلِهِ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) بِمْعَنَى يَعْلَمُ الْأَبْصَارَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّةٌ عَنْ الجَوارِح؛ لأَنَّا نَقُولُ: اسْتِحَالَةَ الْجَارِحَةَ عَنْهُ تَعَالَى دَلِيْلٌ

عَلَى أَنَّ هَذَا الإِدْرَاكَ المُثْبَتِ لَهُ بِمَعْنَى العِلْمُ اللَّازِمُ لِبَصَرِ العَيْنِ فِي الجُمْلَةِ، لا الإِدْرَاكُ المَنْفِيُّ عَنَهُ تَعَالَى وَهُوَ رُؤيَتَهُ، ولا يَصِحُ جَعْلُ الْإِدْرَاكَيْنِ مَعَا بِمَعْنَى العِلْمِ؛ لأنَّ البَصَرَ لا يَعْلَمُ شَيْئَاً فضلاً عَنْ أَلاَ تَعْلَمَهُ الأَبْصَارُ، كَمَا لا يُقَالُ: الحَائِطُ لَا يَعْلَمُك إِلَّا لِدَاعِ إِلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا العَالِمُ القَلْبُ والقَلْبُ يَعْلَمُ اللهَ، أَي أَشْبَهَ مَعْنَى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَانُ لَاتَرَاهُ.

وهَبْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ، فَمَعْنَاهُ: لا يَعْلَمُهُ العُلَمَاءُ عِلْمَ إِحَاطَةٍ، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَيَبْقَى نَفْيُّ الرُوْيَةِ مَأْخُوذاً مِنْ نَفْيُ صِفَاتِ النَّقْصِ المَذْكُورَةِ عَنْهُ آنفاً عَنْهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ

السُّدِّي، البَصَرُ: بَصَرَ مُعَايَنَةٍ وَبَصْرُ عِلْمٍ، وَذِكْرُ الأَبْصَارِ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) لِتَأْكِيْدِ نَفْي رُؤْيَتِهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إِنَّ الأَبْصَارَ البَاصِرَةَ يُدْرِكُها ولا تُدْرِكُهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْدَانَ والأَجْسَامَ والأَشْيَاءَ أَو نَحْوَ ذَلِكَ، وَزَادَ تَأْكِيَدَ نَفْيهَا بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) فَإِنَّ اللُّطْف: الدّقَةُ والخَفَاءُ؛ أَيْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَرَاهُ بَصَرٌ مَا فِي زَمَانِ مَا رُؤْيَةً مَا، وهُوَ الْعَلِيْمُ عِلْمَا دَقِيقاً بِكُلِ بَصَرِ وَغَيرِهِ.

وإِنَّ الخِبْرَةَ: العِلْمِ بِدَقِيقِ الأُمُورِ: فَهُو يُدْرِكُ مَالَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَيَعْلَمُ مَالَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَهُو لايُرَى كَمَا لايُرَى الشَّيءُ الَّذي لَيْسَ مِنَ الْكَثَّافَةِ فِي شَيْءٍ، كَمَا لاتُرَى الرِّيْحُ، لاتَرَاهُ تعالى عُلُواً كَبِيْراً عَن كُلِ نَقْصِ وَعَنْ أَنْ يُشْبِهُ الرِّيْحَ أَوغيرِها، وعَنْ أَنْ يُوْصَفَ بِالْكَثَافَةِ أَو اللَّطَافَةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَقَولُهُ (اللَّطِيْفِ) عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ: (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ لأَنَّ مِنْ شَأْنِ الشَيْءِ الدَّقْيقِ الخَفِيِّ مِنَ الْأَجْسَامِ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ الدِّقَةِ والجِسْمِيَةِ.

وقَوْلُهُ (الخبير) عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ كَيْفَ لَا يُدْرِكُهَا مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِدَقَائِقِ الْأُمُور؟!

وقِيلَ: مَعْنَى (اللطيف) العَالِمُ بِغَوَامِضِ الْأُمُورِ ودَقَائِقُ الْمَعَانِي وَالْحَقَائِقِ، فَهُو أَبْلَغُ مِنَ الخَبير. والأَبْصَارُ جِرْمُ البَاصِرِ مِنَ العَيْن أو العَيْن كُلُّهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالإِبْصَارِ النُّورُ الذي تَرَى بِهِ العَيْنَ، وهُو لايَرَاهُ أَحَدٌ وَلا يُحقِّقُهُ، واللهُ مُحِيطٌ عِلْمَاً بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ.

شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية

صفحة 55