العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٦٢العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني الأستاذ: هذَا رُجُوعٌ مِنْهُ مَعَنا لرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ إِلَى انْكِشَافِ ذَاتِ الْحَقِّ تَعَالَى بِوَجْهِ عَقلِي مُدْرِكِ، مُوَدَّاهُ إِلى العِلْم بذَاتِهِ، وإِنَّمَا سَلَكَ المُحَقِّقُونَ هَؤُلاءِ مِنْهُم هَذا المَسْلَكَ الْتِياذاً بهِ وفِرَاراً مِنْ الرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ، وكلا المَسْلَكَيْن مُؤدَّاهُ إِدْرَاكُ ذَاتِ اللَّهِ وَالْإِحَاطَةُ به تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وهَذا مَرْصَدٌ مِنْ مَرَاصِدِ الصَّلَالِ فِي المَبْحَثِ لا بُدَّ مِنَ التَّحَفُّظِ فِيْهِ والتَّحَدُّر مِن تَمُويْهِهِم، فلا تَقْبَلْه مِنْهُم، فَإِنَّ ذَاتَ الحَقِّ تَعَالى شَأْنُه أَجَلُّ وأَعْظَمُ مِنْ أَن تُدْرِكَها
العُقولُ مُطْلَقَاً أو تُحِيطَ بهِ ولَيْسَ عِنْدَ الخَلْقِ مَعْرِفَةُ كُنْهِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ.
وغَايَةُ مَعْرِفَةِ الخَلْقِ بِالله كَوْنُه سُبْحَانَهُ مَوْجُودَاً حَيَا عَالِمَاً قَادِرَاً مُرِيداً قَدِيماً بَاقِياً، لا جسْماً ولا عَرَضَاً إلى سَائِرِ الصَّفَاتِ، ولَوْ جَازَ عَلَيْهِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ الْإِدْرَاكِ بالحَوَّاسِ الخَمْسِ؛ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُنَزِّهُوهُ عَنْ الإِدْرَاكِ بِحَاسَتَيْنِ جِسْمَانِيِّتَيْنِ، فَقَالُوا بِسَمَاع كَلَامِهِ القَدِيمِ النَّفْسِيِّ الذي أثْبَتُوه، ولا تُثبتُه إلا باعتِبَارِ نَفِي الْآفَةِ عَنْهُ، وقالوا بِالرُّؤْيَةِ التي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مَحْسُوسِ وَلَا مَعْقُولٍ، أَعْنِي: غَيْرَ مَعْقُولِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهِ
التلميذ: مَا الجَوابُ على قَولِ السَّعِدِ مِنْهُم: العَقْلُ إِذا خُلِّي وَنَفْسَهُ لَمْ يَحْكُم بِامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ لَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ، مَعْ أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ، وَمَنِ ادَّعَى الْامْتِنَاغَ
فَعَلَيْهِ البَيَان.
الأستاذ: جَوَابُنا على هَذا ومَا يُشَابِهُهُ مِنَ التَّحَكُم عَلى أَحْكَامِ العُقُولِ: أَنَّ العَقْلَ لَا يَحْكُمُ بجَوَاز الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّها مَشْرُوطَةٌ بكَوْنِ المَرْنيِّ فِي مَكَان وَجِهَةٍ وَمُقَابَلَةٍ مِن الرَّائي، ومَسَافَةٍ بَيْنَهُما بِحَيْثُ لا يَكُونُ في غايةٍ مِنَ القُرْبِ، وَلَا فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، واتِصَالِ شُعَاعٍ من البَاصِرةِ بالمَرْنِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ مَع مَا مَرَّ مُحَالٌ فِي حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى.
التلميذ: قَدْ عَلمتَ ياسيدي الأُسْتَاذِ أَنَّهم يثْبِتُونَ رُؤيةً بلا جِهَةٍ ولا حُلولٍ وَلا مُقَابَلَةٍ ولامَسافةٍ ولااتِصَالِ شُعَاعٍ، لَكِنَّهَا رُؤْيَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الحُكْمِ العَقْلِيِّ بِالنَّسِبَةِ إِلَى رُؤْيَةِ
المَخْلُوق.
الأستاذ: إذاً يَبْطلُ قولُ السَّعْدِ، وهُو مِن أَعَاظِم مُحَقَّقيهِم مِنْ أَنَّ العَقْلَ لَا يَحْكُمُ بِامْتِنَاعِ الرُّؤْيَةِ، فَقَولُهُمْ: رُؤيةٌ بِدُونِ مَا يَلْزَمُ لَها: إِمَّا مُنَاقِضْ لِإِثْبَاتِ الرُّؤْية، وَتَحَكُمْ عَلَى أَحْكَامِ العَقْلِ، ومُكَابَرَةً لِلواقع، وإِمَّا تَحَوُّلٌ مِنْهُم إِلَى الرُّؤْيَةِ العِلْمَيَّةِ أَمَّا العِلْمُ بِحَقِيْقَتِهِ فَلَيْسَ مِنْ مَقْدُورِ الخَلْقِ، وَأَمَّا العِلْمُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى وَبِسَائِرِ صِفَاتِهِ فَصَحِيحٌ نُسَلِّمُهُ، ولا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ.
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 62