العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٦٣العقيدة الوهسة
لأبي مسلم البهلاني
الدَّرْسُ الثَّالِثُ
مَا يَجِبُ الله وَمَا يَسْتَحِيْلُ عَلَيْهِ
وتَأْوِيلِ المُتَشَابِهِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
التلميذ: مَا مَعْنَى قُرْبَ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ؟
الأستاذ: قُرْبِ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ وبُعْدُهُ عَنْهُم لَيْسَ كَقُرْبِ الخَلْقِ وَبُعْدِهِم بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِهِم البَعْضِ، واسْتِعْمَالِ (دَنَا) فِي حَقَّهِ - تَعَالَى - بِمَعْنَى لَمْ يَلْتَصِقْ بِشَيْءٍ لَأَنَّ المُلَاصَقَةَ عَرَضْ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الأَجْسَامِ، وَلَيْسَ رَبَّنا بِجِسْمِ وَلا عَرَضِ، فالدُّنو في حَقِّهِ مَجَازٌ إِرْسَالِيٌّ تَبَعِي عَنْ قُرْب رَحْمَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وَإِحَاطَةِ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الصفاتِ بِكُلِ شَيْءٍ، فَلا يُوصَفُ تَعَالَى فِي قُرْبهِ ودُنُوِّهِ بِمُلَاصَقَةِ شَبِيءٍ وَالاِتِّصَالِ بشيءٍ، ولا في بُعْدِهِب الانْفِصَالِ؛ لأَنَّ الاِتِّصَالَ والإِنْفِصَالَ عَرَضَانِ مُلَازِمَانِ لِلْجَواهِرِ والأَجْسَامِ والمُتَحَيِّزاتِ، وجَلَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
ويُحْتَمَلُ أَنْ يُفسَّر دُنُوهُ وقُرْبُهُ مِنْ خَلْقِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومَاً لَهُم بِالدَّلِيلِ، لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ تَعَالَى، بَلْ مِنْ حَيْثُ وُجُودُه وَصِفَاتِهِ، وأَنْ يُفَسَّر بُعْدُهُ سُبْحَانَهُ عَنْ خَلْقِهِ بِكَوْنِهِ تَعَالى غَيْرُ مَحْسُوس لَهُم والمَجَازُ بِحَالِهِ، فَمَعْنَى قَوْلِنَا (دَنَا) عَلَى هَذَا كَوْنُهُ مَعْلُوماً بالدَّليل، ومَعَنِّى قَوْلِنَا (نَأَى) كَوْنُهُ غَيْرُ مُشَاهَدٍ بِالحَواس.
وَيُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ قُرْبِهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ: الْأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدَانِيَّةِ المُتَّصِفِ هُوَ بهَا، وَتَأْوِيلُ بُعْدِهِ سُبْحَانَهُ بِبُعْدِهِ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ كَالْحُدُوثِ وما هُو مِنْ صِفَاتِ الخَلْقِ، والمُرَادُ مِنْ قُرْبِهِ مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ هُو تَأْخُلَه لَهَا، وَالمُرَادُ مِنْ بُعْدِهِ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ عَدَمُ تَأْهْلِهِ لَها، والمَجَازُ بحَاله لاسْتِلْزَامِ قُرْبِ شَيءٍ مِنْ
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 63