العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٦٥العقيدة الوهبية
لأبي مسلم البهلاني ولانُفَسِّرُ ذَلِكَ ولا تُتَأَوَّلُه، وإِنَّمَا نَقْتَصِرُ على إِطْلَاقِ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ إِلَى أَنَّ الْجَوَارِحَ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ البَارِى مِنْ غَيْرِ تَجْسِيمِ، وَذَهَبْتِ المُجْسَّمَةُ إِلى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَدَيْنِ هُمَا عُضْوَانِ لَهُ وكَذَلِكَ الوَجْهُ وَالْعَيْنُ، وَأَثْبَتُوا لَهُ رِجْلَيْن قَدْ فَصَلَتَا عَنْ عَرْشِهِ، وَسَاقَيْنِ يَكْشِفُ عَنْهُمَا يَوْمَ القِيامةِ، وقَدماً يَضَعُها في جَهَنَّمَ فَتَمْتَلِئ، وأَثْبَتُوا ذَلِكَ مَعْنَى لَالَفْظَاً، وَحَقِيقَةً لا مَجَازاً.
وأَمَّا أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ فَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ تَأْوِيلٌ ولا تَشبية ولا تَجْسِيمٌ أَصْلاً وإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ بتَرْكِ التَّأْوِيلِ فَقَطْ، ويُطْلِقُ مَا أَطْلَقَهُ الكِتَابُ والسُّنَّةُ، ولا يَخُوضُ فِي تَأْوِيلِه، ويَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وأَكْثَرُ المُحَصِّلِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى
هذا القول.
وأَمَّا أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ الله - والمُعْتَزِلَةُ وجُمْهُورُ المُتَّكَلِّمِينَ، فَإِنَّهُم يَنْفُونَ ذَلكَ عَنْهُ تَعَالى، وتَأْوَّلُوا مَا وَرَدَ فِي القُرآنِ الْعَزِيزِ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَحَمَلُوهُ عَلَى وُجُوهِ صَحِيحَةٍ جَائِزَةٍ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّة، فَفَسَّرُوا اليَدَ بِمَا يَلِيقُ بِصَفَةِ اللَّهِ، وَجَعَلُوهَا مَجَازاً عَنْ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، وتَأوَّلُوا يَمِينَه سُبْحَانَهُ مَجَازاً عَنْ قُدْرَتِهِ، وَأَوَلُوا العَيْنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) بِمَعْنَى الحِفْظِ، وفي قَوْلِهِ: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) بِمَعْنَى أَمْرِي وَعِلْمِي.
وأَوَّلُوا الوَجْهَ بِمَعْنَى ذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، وأَوَّلُوا السَّاقَ مَجَازاً عَنِ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ الهَائِلِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْهُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وجَعَلُوا الجَنْبَ مَجَازَاً عَنْ طَاعَتِهِ وَأَوَامِرِهِ
ونَوَاهِيهِ
وفَسَّرُوا مَجِينَهُ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) بِمَجِيِيءِ أَمْرِهِ وقَضائِه الفَصْلِ، وَحُكْمِهِ العَدْلِ. وفَسَّروا إِتْيَانَهُ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ) يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ
وقَضائِهِ.
وفَسَّروا نَحْوَ مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحِةِ مِمَّا يُوْهِمُ تَشْبِيْهَا لَوْ لَمْ يُوَوَّل، كَالنُّزولِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلاَمُ ": يَنْزِلُ اللهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ جُمُعَةٍ، يَقُولُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ "، فَحَمَلُوهُ عَلَى وَجْهِ لَائِقِ بِهِ تَعَالَى وَهُوَ
نُزُولُ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ يُنَادِي عَنِ اللَّهِ، يُبَلِّغُ عنه ذَلِكَ التَّرْغِيبَ.
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 65