العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٧٦العقيدة الوهبية
لأبي مسلم البهلاني ولَكَ أَنْ تُرِيدَ بِالْإِسْمِ المُسَمَّى عَلَى مَذْهَبِ بَعْضٍ، وَبِقَوْلِكَ: (اللَّهُ) اللَّفْظَ، وحِيْنَئِذٍ يَكُونُ (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) وَصْفَيْنِ عَائِدَيْنِ إِلَى اسْمِ لَا إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِمُبَالَغَةِ أَوِ اسْتِخْدَامٍ.
وأَجَازَ بَعْضٍ أَنْ يُرَادَ بِالإِسْم الأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ: اللَّهُ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، عَلَى أَنَّ المُرَادَ بهَا كُلّها الأَنْفَاظُ، فَالاِسْمُ بمَعْنَى الأَسْمَاءِ، وَسَوَاءٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ إِلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَويُرِيْدُ أَيْضاً غَيْرَها، واقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِنُكْتَةٍ اقْتَضَتِ التَّصْرِيحَ بِالثَّلَاثَةِ، وفَائِدَةُ الإِجْمَالِ والتَّفْصِيْلِ أَنْ يَرَى الْمُتَكَلِّمُ الْمَعْنَى فِي صُوْرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُبْهَمَةٌ، والأُخْرى مُوضَحَةٌ، وَعِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ، وَمِنْهَا تَمَكُنُ المَعْنَى فِي النَّفْسِ فَضْلَ تَمَكُنِ لِما جَبَلَ اللَّهُ النُّفُوسَ عَلَيْهِ مِن أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا ذُكِرَ مُبْهَمًا ثُمَّ بُيِّنَ كَانَ أَوْقَعُ عِنْدَهَا، وَمِنَهَا تَكْمُلُ لَذَّةُ
العِلْمِ بِالْمَعْنَى لِمَا لا يَخْفَى مِنْ أَنَّ نَيْلَ الشَّيْءِ بَعْدَ التَّشَوُّفِ والطَّلَبِ أَلَّذَّ. وأَيْضاً لَمْ يَقُل (بالله) مُبَالَغَةً في التَّعْظِيْم والأدب كَقَوْلِهِم: سَلَامٌ عَلَى مَجْلِسِكَ العالي، أَوحَضْرَتِكَ الشَّرِيْفَة؛ أَيْ عَلَيْكَ، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا أُرِيْدَ بِاسْمِهِ اللَّفْظُ وأُرِيْدَ بِقَوْلِكَ: (الله)؛ الوَاجِبَ الوُجُودِ؛ فَإِضَافَةُ (اسْمَ) حَقِيْقَةٌ لِلإِسْتِغْرَاقِ بِمَعْنَى اللَّامِ فَيَدْخُلُ فِيْهِ كُلَّ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، أَو لِلْجِنْسِ فِي صُمْنِ فَرْدِ لَا مِنْ حَيْثُ هُو، إِذْ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَقَعَ ابْتِداء، والفَرْقُ أَنَّ الإِسْتِغْرَاقَ مَدْخَلٌ لِكُلِ فَرْدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ بِهَا وَاحِداً وَاحِدَاً.
فَكَأَنَّهُ قِيْلَ: بِاسْمِ واجِب الوُجُودِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ الَّذِي هُو قَوْلُكَ: الله، والَّذِي هُوَ قَوْلُكَ: الرَّحِيْمُ، والَّذِي هُوَ قَوْلُكَ: الْوَهَّابُ، وَالَّذِي هُوَ قَوْلُكَ الرَّازِقُ، والَّذِي هُوَ قَوْلُكَ: النَّاصِرُ، وهَكَذا فَهُو أَوْلَى مِنَ الجِنْسِ؛ لأَنَّ الجِنَّسَ لا يُفيدُ ذَلِكَ، وإِنَّمَا قُلْنَا: لا يُمْكِنُ النُّطْقَ بالفَرْدِ الَّذِي هُو فِي ضِمْنِهِ الجِنْسُ؛ لأَنَّ الحَقِيْقَةَ إِنَّمَا تُتَصَوَرُ ذِهْنَاً لا خَارِجَاً.
والمَقْصُودُ هُنا التَّبَرُّكَ بِذكْرِ أَفْرَادِ الإِسْمِ كُلِّها، وإِنَّمَا يُفِيدُ هَذَا الْإِسْتِغْرَاقُ "لا" الجِنْسِ، وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ إِرَادَةَ الجِنْسَ فِي الْحَمْدِ أَوْلَى، لَأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الحَمْدِ إِثْبَاتُ اخْتِصَاصِ الأَفْرَادِ وإِثْبَاتُ الجِنْسِ إِثْبَاتٌ لَهَا بِطَرِيْقِ الْإِحْتِجَاج. إِذْ لَوْ كَانَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الحَمْدِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى بِالتَّحْقِيقِ لَمْ يَكُنْ الجِنْسُ مُخْتَصَّاً بِهِ لِتَحَقُّقِهِ فِي ذَلِكَ الفَرْدِ الَّذِي كَانَ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مَاهَيَّةَ الْحَمْدِ تُوَجَدُ فِي فَرْدٍ مُثْبَتٍ لِغَيْرِهِ كَمَا تُوْجَدْ فِي مَا أُثْبِتَ لَهُ تَعَالَى، ولا يُقَالُ: فَلْنَجْعَلِ الْمُرَادَ بِالْحَمْدِ الإِسْتِغْرَاقُ بِاثْبَاتِ الأَفْرَادِ كُلِّها مِنَ المَحَامِدِ حَمْداً حَمْداً، إذ يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَفْرَادِ الجِئْسَ لأَنَّ الجِنْسَ بِمَعْنَى المَاهِيَّةِ تَتَحَقَّقُ فِي الفَرْدِ. فَلْتكُنْ
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 76