العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٩٨العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ الإِسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعَاً، فَهُوَ لَعَنَهُ اللَّهُ - لَيْسَ مَلَكَأً فَفَسَقَ، بَلْ مِنْ خَلْقِ هُمُ الْجِنُ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِهِ، كَانَ قَبْلَ فِسْقِهِ يَتَعَبَّدُ فِي سَاحَاتِ الْمَلَكُوتِ، وَحَيْثُ شَاءَ، ثُمَّ سَبَقَ عَلَيْهِ مَحْتُوْمُ الْقَصَاءِ بِالسَّقَاءِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَصَارَ مِنْ دَرَجَةِ الْكُفْرِ بِحَيْثُ جَعَلَ رَأْسَ الْأَشْقِيَاءِ، اللَّهُم بِجَاهِكَ لا تُخْرِجْنَا مِنْ دَائِرَةِ رَحْمَتِكَ فِي الدُّنيا
والآخرة. وَعَلى كَوْنِ الإِسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعاً، أَو كَوْنِهِ مُتَّصِلَاً بِالتَّغْلِيْب؛ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِ مَنْ يُشَرِّكُ القَائِلَ بِأَنَّ إِبْلِيسَ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِعِصْمَتِهِم عَنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. وَلَو كَانَ مِنْهُم حَقِيْقَةً لَمْ يَعْصِ اللَّهَ حِيْنَ أَمَرَهُ، وَلَفَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ كَمَا فَعَلُوا، أَعَاذَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ مِنْ إِبْلِيْسَ وَجُنُودِهِ وَمَكَائِدَهُم.
وَقَدْ يُقَالُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى
وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِ) إِنَّ إِبْلِيْسَ كَانَ مِنْهُمْ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ، وَلَأَنَّهُ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَنَّمَا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ، وَإِبْلِيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْمُورِينَ بِدَلِيْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) وَلَمْ يُجَرِّدِ الأَمْرَ لَهُ عَنِ الْأَمْرِ لِلْمَلَائِكَةِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْهُم. وَأَيْضاً الإِسْتِثْنَاءُ دَلِيْلٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُم مُكَلَّفَاً بِمَا كُلِّفُوا بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَا أَبَى وَاسْتَكْبَرَ
وعَصَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ غَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَمَسَخَهُ فَصَارَ شَيْطَانَاً رَجِيْماً، فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُوْرَةِ الْكَهْفِ: (إلا) إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَارَ مِنَ الْجِنِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ صَارَ مِنَ الْكَافِرِيْنَ.
•
قِيْلَ: كَيْفَ يَكُونُ إِبْلِيْسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ لا تَتَنَاسَلُ؛ إِذِ الْتَنَاسُلُ بَيْنَ الْذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا أُنُوثَةَ فِي الْمَلَائِكَةِ بِإِنْكَارِ اللهِ عَلَى مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِم بِالْأُنُوثَةِ. وَبِانْتِفَاءِ الْأُنُوثَةِ يَنْتَفِي التَنَاسُلُ، وَمَا أَكْثَرَ ذُرِّيَّةِ إِبْلِيسَ، والقُرْآنُ صَرِيحٌ بِإِثْبَاتِ الدُّرِّيَة لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَلَكاً، وَالْمَلَكُ لا ذُرِّيَّةَ لَهُ؟
أُجِيْبُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ لَهُ نَسْلٌ وَذُرِّيَةٌ بَعْدَمَا مُسِخَ، وَحُوِّلَتْ صُورَتْهُ إِلَى صُوْرَةِ مَنْ يَتَنَاسَلُ، وَسَائِرُ الْمَمسُوخَاتِ لا تَعِيْشُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ولا تُعَقِّبُ نَسْلَاً وَدْرِّيَةً، إِلَّا أَنَّ اللعِيْنَ سَأَلَ النَّظَرَةَ إِلى قِيَامِ السَّاعَةِ فَأُنْظِر
وَأَيْضاً الإِسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ وإِنْ شَاعَ فِي النِّسَانِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعُ فِي الْكَلَامِ الفَصِيحِ،
نَاهِيْكَ بِالْقُرْآنِ، وَمَا كَانَ خِلَافُ الأَصْلِ فَيَبْعُدُ أَنْ تَتَنَاوَلَهُ بَلَاغَةُ الْقُرْآنِ.
وقيل: فى الْمَلَائِكَةِ الْمَأْمُورينَ بالسُّجُودِ طَائِفَةٌ مِنْهُم هُمْ خُزَّانُ الجِنَانِ، يُسَمَّوْنَ الجَانَّ، أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ؛ لِيَطْرُدُوا الجِنَّ مِنْها إِلى الْبِحَارِ وَالجَزَائِرِ وَالْجِبَالِ. قَالَ الْقُطْبُ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يَصِحُ هَذا، وَلاَ يَصُّحُ أَنَّ إِبْلِيْسَ مَلَكٌ مِنْهُم، وَأَقْرَبُ
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 98