العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٩٩العقيدة الوهبية لأبي مسلم البهلاني مِنْ هَذَا وُلِدَ مِنَ الْجَنَّةِ قَبْلَهُ، وَلَيْسُوا مَلَائِكَةً، قَاتَلَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَ أَسَرَوُهُ، فَتَعَبَّدَ الْمَلَائِكَةِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَوَّلُ الْجِنِّ، وَقِيْل: مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ؛ لَأَنَّ الْكَلَامَ فِي
مع
خِلَافَةِ الْأَرْضِ، قَالَ: وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ: مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ يَعْصُونَ كَبَنِي أَدَم. اهـ
•
والصَّحِيْحُ أَنَّ الْأَمْرَ شَامِلٌ لِلْمَلَائِكَةِ كُلّهم، بِدَلِيْلِ التَّأكِيد بِمُفِيدِ السُّمَولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ). وإِنَّ اسْتِثْناءَ إِبْلِيسَ مِنْهُم اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ عَلى سَبِيلِ المَجَاز؛ ولمَّا كان بَيْنَهم مُتَعَبِّداً بِعِبادَتِهِم صَارَ كَأَنَّه وَاحِدٌ مِنْهُم، فَسُمِّي بِاسْمِ الْمَلِكِ مَجَازاً بالاسْتِعارةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعاً. ومَنْ زَعَمَ أنَّ إِبليسَ مِن المَلَائِكَةِ فَقَدْ
قالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّه يُشْرِكُ؛ لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ).
قال القُطْبُ: لا يُشْرِكُ لأَنَّه تَأَوَّل ذلك مِنَ الاسْتِثْنَاءِ؛ لأنَّ أَصْلَهُ الْإِتِّصَالُ، وتَأَوَّلَ قَوْلَه) كَانَ مِنَ الْجِنِّ) بأنَّه كانَ مِنَ الجِنِّ في فَسَادِ الفِعْلِ، والاعْتِقادِ، والقَوْلِ ومِنَ المَلائِكَةِ أَصالة وجسماً ونَوْعاً، كما نَقُولُ: عمرو من الشياطين، وحاله والبهائم؛ فَهُو يَقُولُ: إِنَّ إِبليسَ عَدُوَّ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ، لكنَّه فَسَقَ كَمَا يَفْسُقُ الجِنُّ، فَيَصِيرُ البَحْثُ مَعَ ذلكَ القَائِلِ فِي عِصْمةِ المَلائِكَةِ، والحقُّ أَنَّهُم مَعْصُومُونَ لِقَوْلِهِ تعالى: (وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) أي: لا يَعْمَلُون إِلَّا بِأَمْرِه، وأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لأَنَّ قَوْلَه كَانَ مِنَ الْجِنِّ) ظاهِرٌ في أنَّه واحدٌ مِنْهُم، وأنَّ نِسْبَتَهُ فِيهِم، ووَهَذَا حَقِيقَةً الكلام والمُتَبَادَر مِنْهُ، والتَّأْوِيلُ المَذْكُورُ مَجَارٌ وخِلافُ المُتَبَادَرِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِلا قرينة واضحة.
وَزَعَمَ قَوْمُنا أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَوَى أَنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَوْماً يَتَوَالدُونَ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ.
ومِنْهُم إِبْلِيسُ.
وذَكَر أَصْحَابُنا أنَّ مَنْ قالَ: المَلائِكةُ ذُكُورٌ أو إناتٌ مُشرك، وكَذَا إِنْ قَالَ: يَتَوَالَدُونَ. وقيل: لا يُشْرِكُ إِنْ قالَ ذلك في أفرادٍ منهم، أو في نَوْعٍ، بل إنْ قالَ فيهم عُمُوماً لأنَّ قائلَ هَذا تَأَوَّلَ قَوْلَ ابن عَبَّاسِ الذي زَعَمُوا عنه، ومَنْ أَطْلَقَ الإِشْرَاكَ ولو
عَلَى مَنْ قَالَ ذلك في أَفْرادٍ مِنْهُم أو نَوْعِ يُحْمَلُ كَلامُهُ عَلَى مَنْ قَالَ ذلكَ تَعَمُّداً لِمُخَالِفةِ القُرْآنِ، أو جَهْلاً، لا عَلَى مَنْ قاله اعْتِماداً عَلَى مَا رُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وكَذَا يُحْمَلُ قَوْلُه بِإِشْرَاكِ مَنْ قالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَى مَنْ قَالَهُ جَهْلاً أو
عِناداً لِلْقُرآن، عَلَى مَنْ قالَهُ اعْتماداً على ما رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَثلاً
•
6
وكَذَا الكَلاَمُ فِي عِصْمَةِ المَلائِكَةِ، فَقَدْ قِيل: إِنَّ المَلائِكَةَ لَيْسَوُا كُلُّهم مَعْصُومِيْنَ ولكنَّ الغَالِبَ فِيْهم العِصْمَةُ، كَمَا أَنَّ الإِنسَ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ، لَكِنَّ القَلِيلَ فِيهِم العِصْمَةُ. قال: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجِنُّ أُمِرُوا بالسُّجودِ كَمَا أُمِرَ المَلائِكَةُ، وأَنَّ في
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 99