داعي العمل ليوم الأمل: تفسير سورة الرحمن امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

تفسير سورة الرحمان إلى سورة الملك

الجزء ١ · صفحة ٢٤

تفسير سورة الرحمن - alkabs.net

24 of 62

http://alkabs.net/index 2.php?option=com_content&task=view& …

ثمَّ إِنَّ فائدة ذكر الفناء الحث على العبادة والتنصل من التباعات والمعاصي، والترغيب في صرف الزمان في ما يرضي الله، والزجر عن تضييع اليسير اليسير منه، وعن الوثوق بما في اليد، والموجود من الصحة والركون إلى ذلك، والاطمئنان إليه، والحث على الصبر على الملمات، وعلى الفرائض والعبادات، وعن الذات وعلى الرضى على الله في الشدة والرخاء، والزجر عن عبادة غير الله، وعن الاغترار بالقرب من الملوك، فإنهم فنون ([56] عن قريب أيضًا فيبقى بعدهم مشتوماً وكاليتيم، أو فان عنهم فهو ذاهب إلى الله أبق عنه

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وهذا مما يقوى به رد الضمير في «عليها» إلى الأرض، إذ} لله ذكر البقاء لشيء بعد ذكر ضده لعام كذا يقتضي أن الكلام كالاستثناء، ومعنى بقاء وجه الله بقاء ذاته سبحانه وتعالى عن الجوارح والجسم والعرض والمراد: لا يفنى ربك. وفي الآية رد على المجسمة، لأنهم أثبتوا الجوارح الله، فلو صح قولهم لزم أن تكون يد الله فانية تعالى الله عن اليد، ورجله فانية تعالى الله عن الرجل وغير ذلك، ولا يبقي منه إلا وجهه الذي هو الجارحة تعالى الله عنه، وذلك خطأ لا يقول به المجسم فضلا عن غيره، فتبين أن وجه الله بمعنى حقيقة الله، والله نفسه وذاته، وكذا في قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه يكون المعنى على قول المجسم: تفنى جوارح الله

- تعالى الله عن الجوارح - إلا وجهه، وهذا لا يقول به، وحينئذ يتكلف الجسم ([57]) الوجه في ذلك وما أشبهه بمعنى ذاته تعالى وفي غير ذلك مما لا يلزم عليه هذا لا يراد هو الجارحة على ظاهره، فيرد عليه بأن إثبات الوجه وسائر الجوارح يوجب التحيز والحلول والجهات والتركيب والحدوث والعجز وكلّ صفة من صفات الخلق، كالجهل والحاجة تعالى الله عنهما وعن كل نقص مما ذكر وغيره؛ وإن قال: لزم عليك أن تفنى الصفات ويبقى بلا، صفات، قلت: لا يلزم لأنَّه لم يذكر قبل قوله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾

ليک

، أن صفاته تفنى

ولم يذكر أنَّ كلَّ ذات وصفاتها [40] تفنى ويبقى ذات ربك، فنقول: استثني الذات لا الصفات، بل ذكر الأشياء بلا تعرّض لصفاتها، فلزم من فنائها فناء صفاتها، وذكر ذات الله بالبقاء فلزم بقاؤه مع صفاته، ولا سيما أن مذهبنا أنَّ صفاته تعالى هو، بمعنى أنها ليست غيره، فهو قادر بالذات عالم بالذات، لا قادر بقدرة ولا عالم بعلم وهكذا بل لو كانت الصفات غيره وكان عالما بعلم، قادر ([58]) بقدرة وهكذا كما قالت الأشعرية لم يلزم فناء الصفات لأنها توابع على قولهم للذات، فإنك تقول: «لم «يبق لزيد إلا ثوبه

يتناول صفات الثوب من لون وعرض وطول؛ وإن قلت: لم يبق إلا كمه» دلَّ على ذهاب الجيب والذيل، وإذا قيل: «لم يبق إلا وجهه» بمعنى العضو، لزم أن لا تبقى يده. ووجه إطلاق الوجه على ذات الله سبحانه وتعالى أنه جرى في عرف الناس أنهم يقولون: «فعلت كذا لوجه فلان» يريدون فعلته لفلان نفسه؛ وإذا رأوا وجه إنسان قالوا: «رأينا فلانًا»، وإن رأوا يده أو رجله مثلاً لم يقولوا: رأينا فلانًا، وقد يقولون، ونحو ذلك مما فيه إطلاق الوجه على الذات كلها، وعلة جريان العرف لذلك في الأصل ولو تنوسي أنَّ الوجه مشتمل على الحواس كلّها اللمس والنظر والسمع والشم والذوق، فكأنه كله هو الوجة

فاستعمل في حقيقة الإنسان تسمية للكلِّ باسم البعض مجازا باعتبار الأول، ثم حقيقة عرفية بالاعتبار الثاني المتناسى فيه الأول، ثم توسع في هذه الحقيقة العرفية إلى حقيقة الشيء مطلقا جسماً أو عرضاً، أو لا جسماً ولا عرضاً، وهذا أولى مما يقال: توسع إلى الجسم ثم إلى ما ليس جسماً، ومن ذلك أن يقال في الكلام المقبول: «هذا وجه حسنَ»، أي شيء حسن ثمَّ إنَّه قيل: الوجه من المواجهة فالموضوع

9/ 20/11 9:12 AM