داعي العمل ليوم الأمل: تفسير سورة الرحمن امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

تفسير سورة الرحمان إلى سورة الملك

الجزء ١ · صفحة ٣٦١

تفسير سورة الحديد - alkabs.net

18 of 36

http://alkabs.net/index 2.php?option=com_content&task=view& …

بنعمة الله

مع شكر فغير مذموم، قال المبرد: «لا تفرحوا فرحا شديدًا يطغيكم حتّى تأشروا [كذا] فيه وتبطروا». ثم إن الظاهر النهي عن الفرح مطلقا تزهيدا في الدنيا ودعاء إلى الإعراض عنها ولو مع الشكر، كأنه قيل: لا تميلوا إلى الدنيا حتى تفرحوا بمتاعها بل افرحوا بدين الله والاستقامة فيه والكسب منه

ول

ويدل لهذا الإطلاق الدعاء إلى الإعراض عن الأسى عن الدنيا، أي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا لهوانها ولو حزنًا لا يؤدي إلى معصية، بل احزنوا على ما فاتكم من الدين والاستقامة فيه والسعى فيه، فَالآية في ترك [186] الأسى على الدنيا والفرح بها، وما جاء من فرح بها أو حزن عليها على طبع البشر في فمعفو عنه إن لم يكن بحد المعصية، كما إذا أداه الحزن إلى سخط فعل الله، أو الفرح إلى البطر، قال المبرد: «لكي لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب فوت ما فات». قال عكرمة عن ابن عباس: «ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبرا وللخير شكراً».،فقد علمت «لا الأولى نافية، والفعل بعدها منصوب والثانية ناهية والفعل بعدها مجزوم

وإن قلت: إِنَّ مَن عَلَمَ أنَّ الكل مقدر: يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدر إتيانه، ولا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت، فالثانية أيضا نافية، والفعل بعدها منصوب وما بعدها داخل في التعليل، والمراد الفرح العظيم والحزن العظيم، قلت الإخبار بأن المقدر مكتوب في اللوح أو سابق في علم الله لا يزيد أيضاً عظم الفرح بالخير إذا أتى، كما لا يزيل أصل الفرح، فالثانية ناهية قطعاً، وخص التذييل بالنهي عن الفرح إيذانًا بأنَّه أقبح من الأسى، قال صلى الله عليه وسلَّم: «من عرف الله سر في القدر هانت عليه المصايب»، ذكر أن معرفة القدر يهون على المصاب المصيبة، ولم يذكر أنه يذهب الفرح بالخير، ومذهبنا معشر الإباضية والأشعرية أنَّ كلَّ ما وقع واجب بقضاء الله لا بالذات، وكل ما لم يقع واجب أن لا يقع بقضاء الله لا بالذات، ولو وقع ما علم الله أنه لا يقع، أو لم يقع ما علم الله أنَّهُ يقع لانقلب العلم جهلاً؛ ولو أراد الله وقوع الشيء ولم يقع، أو أراد عدم وقوعه. ووقع لكانت إرادته تمنيا، والتمني عجز من ناقص، أراد اسكما لا 561

لدو

لک

تعالى الله عن ذلك، وقدرته تعلَّقت بالوقوع ما أراد وقوعه أو بعدم وقوع ما أراد عدم وقوعه، فلو تخلف ذلك بأن وقع ما أراد أن لا يقع أو بأن لم يقع ما أراد أن يقع لصارت قدرته عجزا تعالى عنه؛ وما أخبر بوقوعه ولم يقع أو بانتهاء وقوعه ووقع صار الإخبار به كذبا، وانقلب فيه الصدق كذبا، وفي ذلك كله الجبر وانقلاب الصفات من [187] كمالها إلى النقص، ومن القدم إلى الحدوث حتى في الأخير، فَإِنَّ الإخبار بوقوع أو أن لا وقوع عن علم قديم، ومن تحقق هذه المسائل هانت عليه المصائب ([57])؛ والمعتزلة ينفون القدرة على أفعالهم عن الله، وكذا الإرادة وضلوا بذلك، وبطلان مذهبهم ظاهر لأنّ الله على كُلِّ شيء قدير، أي قدير عَلَى كُلِّ ما شاء، أي أراد، ولزمهم نَسبة العجز إلى الله وأن يكون مقهورا ما لم يرد وقوعه، أو عدم وقوع ما لم يرد عدم وقوعه؛ ووافقوا في العلم والأخبار، ولزم عليهما أيضا الجبر على أن يكون ما علم أو أخبر به بلا قدرة له ولا إرادة، والفلاسفة الجبر مذهبهم إذ ربطوا حدوث

الله

الأفعال الإنسانية بالتصورات الدهنية ([58]) والتخيلات الحيوانية، وربطوا تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة، ويمتنع وقوع ما يخالفها، وَهُوَ مذهب باطل وإلحاد، فإنَّ دور الفلك لا دليل على أنه يوجب شيئا ولو أوجب شيئا لزم أن يكون دوره وإيجابه شيئا قد أوجبهما شيء آخر فيتسلسل؛ والدهرية لا يقولون بشيء مؤثر، فحدوث الحوادث اتفاقي عندهم فليس اختيارياً فهو جبر بلا مجبر وهذا خطأ، والآية تدل على أنَّ العبد متمكنا [كذا] مختار لا مجبر، لأَنَّ الله جلَّ وعلا أخبره بأن المصائب كذا] معلومة عنده مكتوبة ليعمل بترك الحزن، وإلا لم يبق فائدة بقوله: لكيلا تأسوا}، وكذا كل ما أمر الله بفعله أو نهى عن فعله فللعبد فيه اختيار وتمكن، وإلا لم يأمره به

ليک

9/ 20/11 9:17 AM