صورة الإباضية في العصر الرقمي محمد بن موسى باباعمي

صورة الإباضية في العصر الرقمي لمحمد باباعمي

الجزء ١ · صفحة ٤

2- تتناقل الكتب أحكاما وعبارات بألفاظها، من أوَّل قرن هجريٍّ إلى القرون المتأخِّرة، فلم يبدل أصحابها كبير جهد في التحقيق، أو الإضافة، أو التعديل.. إيجابا أو سلبا. مما جعل الحكم على إباضيٍّ من القرن الأول هو نفس الحكم عليه في القرن الخامس عشر. وهذا يدلُّ على أنَّ التقليد هو المسيطر على الكتَّاب لا الاجتهاد، وأنَّ سلطة النصِّ التراثيِّ لا تزال هي المهيمنة على عقول المؤلِّفين من الفقهاء والمؤرِّخين. فيبدأ الحكم على المذهب - حسبما تتبعناه تاريخيا - كرأيٍ لعالِم أو إمام، ثم يتحوَّل إلى حكم شامل على جميع أفراد ذلك المذهب أو تلك الجماعة، من لدن نشأتها إلى أن يرث الله

الأرض ومن عليها، في جميع الأمصار والأعصار.

3- لم يكلِّف أصحاب تلك النصوص أنفسهم مشقَّة البحث عن الأدلَّة في تكفير وتبديع الإباضية، إلاَّ ما ندُر، فلو حشروا من الأدلَّة نصف ما يحشرون في إحدى الجزئيات الفقهية، كالمسح على الخفين أو الإسبال، أو القبض في الصلاة مثلا، إذن لتيقَّن هؤلاء أنَّ الحقيقة تخالف كثيرا مما يقولون، وأنَّهم أخطأوا التقدير، وظلموا أمما وجماعات بكاملها.

إذا أمكن عذر المتقدِّمين، فإنَّ المتأخِّرين، من أبناء عصر تكنولوجيا المعلومات، لا يمكن البتَّة أن يُعذروا في إقصائهم لمذاهب أو جماعات أو علماء معيَّنين؛ لأنَّ ذلك سوف لن يزيد إلاَّ حدَّة بين أبناء الأمَّة الإسلامية. ولو صدق العزم لاستغلَّ أبناء هذا العصر الفرصة لجمع كلمة المسلمين، ولتَرَكوا الناس يقرأون ويحكمون، بلا تعصُّب ولا إقصاء. فمن مواصفات البحث العلميِّ القويم: «البعد عن التحيُّز أو التعصُّب الأعمى، ومحاولة الوصول إلى أكبر قدر ممكن من مصادر الموضوع المعالَج، وتقويم تلك المصادر حسب قيمتها

([7]). وبدون هذه السمات تتحوَّل الكتابة إلى مجرَّد ادَّعاء وافتراء، وتهوين أو تهويل.

٤ / ١٨