الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون) مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٢١

ومن حرصه على المواعيد حضوره لدروس تفسير القرآن الكريم للعلامة الشيخ بيوض في مسجد القرارة، وقد استمرت تلك الدروس خمسا وأربعين سنة من عام 1935 إلى 1980م، لم يتخلف عنها وهو في المدينة إلا يوما واحدا لضرورة قاهرة، وما عدا ذلك فلم يكن يغيب عنها مهما كانت الشواغل والأعراض، تقديرا منه لأهميتها القصوى، ورغبة في فوائدها الجُلّى، فكان أسوة لطلبة العلم في الجد والتحصيل، وقدوة لعامة الناس في علو الهمة وقطع الأعذار.

خفة روحه

لم يكن الشيخ عدون ممن يتصنع الوقار المتكلف وإن جلله المشيب، وما كان يخيم على مجلسه داكن السحاب الكئيب، بل يشيع فيه جو الأنس وتنطلق من أسارير وجهه بشائر الابتهاج والحبور، فتتفتح له القلوب، وتأنس إليه النفوس، وما زاده وقار المشيب إلا خفة روح تأسر الحاضرين فيودّون أن لو امتد لقاؤه عدد سنين.

حقًّا، لقد كانت مجالسه باقةً أدبية زاهية الألوان، زكية الشذى، يمازج فيها الجلالَ جمالُ الأدب، وتقترن الحكمة والنصيحة بالابتسامة الوديعة، تراه يتصيد المُلحة ويطرب لها، وينتشي للدعابة البريئة انتعاش الزهر في الروض النضير، إذا سقاه السحاب أو جرى في عروقه ماء الغدير.

بركة العمر والولد:

منح الله الشيخ عدون بركة العمر والبدن، فكان نسيجا فريدا عجز الطبب في استكناه أسراره، إذ جاوز القرن من الزمان، وما هدّت السنون من تماسكه وسلامته، إلا في شهوره الأخيرة، بل وخرق كل قوانين الصحة ومحظورات الشيخوخة، وكانت صحته مثار دهشة الأطباء، لا يعرف تحرزا من ماء مثلج، ولا وليمة دسمة، ولا شراب معسول، والدسوم والسكريات قاصمة الصحة في نظر الأطباء، وخبراء العلل، وكأنّه سبر أغوار العلة في قواعد اللغة العربية، وقد قضى في تدريسها سنوات عمره الذهبية، فنفعته لقاحًا واقيا للصحة البدنية، وقد يكون ذلك بعض جزاء الله العاجل في هذه الدار. ولله في خلقه شؤون. وأي شؤون.

٢١ / ٢٤