الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي من خلال ندواته الفقهية وفتاواه لأحمد أوبكة
الجزء ١ · صفحة ٢١وقد حكى أبوحامد الغزالي في كتابه الإحياء أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مر برجل يتكلم على الناس فقال: هذا يقول: اعرفوني. فشيخنا نعمه الله ليس من هذا الصنف الخائب، ولا من هذا المنوال العائب وإذ لا نزكي على الله أحدا، فإنه يتجلى هذا واضحا في أسلوب كلامه مع طلبته، وتتجسد هذه الروح روح الإخلاص في منهجيته وطريقة تعليمه وتأديبه، وفي حرصه على إبراز مواهب طلابه، لا إبراز عضلاته وخضابه، يدفعهم إلى استغلال مواهبهم دفعا رفيقا، ويحثهم على توظيفها توظيفا حقيقا، ثم يحمد بذلك لهم الصنيع، ويحفظ لهم الجميل كأنهم هم أولوالمنة عليه، أوكأنهم هم الذين لهم الدالة واليد العليا بنعمة يسدونها إليه. رتبة من الإخلاص تتدنى دونها الرتب، ودرجة من الوفاء تتعالى فتزاحم الكواكب والشهب.
أما عن كرمه فخبره عند الصنوف من الذواق الذي كان يتحف به ندوتنا وهي مبرة مادية تضاف إلى مبراته الأدبية يدخرها له البر الرحيم.
فما إن تنطلق أعمال الندوة حتى ينادي رحمه الله حفيده ًعمرً بصوت يقطر منه حنان الأبوة الندي يا عمر ! إشارة إلى إحضار ما لذ وطاب مما قد هيأته أيد محسنة طيبة سلمها الله فيؤتى به إكراما للطلاب الأحباب، فلا يلبث عمر حفيده البر الوفي أن يطلع علينا بوجه بشوش صبيح، وبين يديه صينية مسفرة نضدت عليها كؤوس الصبوح يتوسطها البراد اللامع السني الذي يخبئ في جوفه الشاي المنعنع الشهي، وبجانبه يتربع صحن الحلوى البهي، تحف ما أطرفها ورموز محبة ما أظرفها ودلالات رضى ما أبركها وألطفها.
سابع عشر: شخصيته المرحة
وروحه الخفيفة، وحبه للنكتة اللطيفة الظريفة.
الإسلام دين سماحة، دين انبساط وانفتاح، يأبى الانقباض والتزمت فعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول يومئذ (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة)(1) . (1).