المرحوم الكندي وجمعه بين الفقه والأدب
الجزء ١ · صفحة ١٦أما كونه يشمل من ذكرنا فيتضح فيما لو أن أحدا وجد يأكل مال أحد من الناس، وصاحب المال حاضر لا ينكر مع قدرته على الإنكار، فإن سكوته وترك نكيره حجة إذ هو دليل على كون ذلك الأكل إنما يأكله بحق أما لو أنكر عليه وخاصمه فإن إظهار هذا النكير حجة أيضا حتى ولو كان ذلك الآكل يأكله بحق، إلا أنه في الحكم الظاهر معتد فإن ادعى أكله بحق طولب بالحجة ووجه كون ذلك محتملا للحق والباطل جواز أن يكون قد اشتراه منه أو وهبه إياه أو استحقه بأي وجه من الوجوه الشرعية.
وكذلك لو وجد رجل يطأ امرأة وهي لا تنكر، فيحتمل أن تكون زوجته وأن تكون سريته، فلا يتعين أنهما زانيان، أما إن كانت تستصرخ وتدعي بأنه اعتدى عليها فإنه يؤاخذ بهذا العدوان، فإظهار نكيرها حجة لها كما أن سكوتها عن النكير عليه في ذلك حجة له ولكن بشرط ألا يكون قد تشخص حق ذلك أو باطله فلو كانت المرأة معلومة أنها امرأته ما كان نكيرها حجة عليه ولو كانت معلومة أنها أجنبية منه ما كان ترك نكيرها حجة له فلا مجال لإطلاق هذا الخبر كما يقتضيه الظاهر دون مراعاة هذا القيد.
وتدخل هذه القاعدة في باب الفقه السياسي فلو أن إماما شرعيا أجمع الناس على صحة إمامته، وبويع بيعة شرعية، ثم قامت طائفة من الناس، وعقدت للإمامة لإمام آخر والإمام حاضر( أي الإمام الأول) والقائمون بالإمامة حاضرون ولم ينكروا من ذلك شيئا فإن ترك نكيرهم حجة،فمن الممكن أن يكون الإمام الأول عجز عن القيام بأعباء الإمامة، فلذلك قام أولئك الذين عقدوا الإمامة للإمام آخر بما قاموا به، تلافيا لأمر المسلمين لئلا يتفرق جمعهم، وتستباح بيضتهم أما لو أنكر الإمام أو أنكر العلماء الذين معه فإن ذلك الإنكار حجة لهم، فإظهار النكير في مثل هذا الموقف حجة وتركه حجة.