سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
الجزء ١ · صفحة ١٢فقد كانوا يقتلون الأهالي جزاف، من شيوخ وعجائز وأطفال في بيوتهم، ويقتلون الأطفال على مشهد من والديهم..
ويتركون القتلى في الشوارع حتى تتعفَّن أجسامهم، ويدعون الجرحى حيث هم يئنون، وعلى مرأى من رجال الصليب الأحمر، حتى تفيض أرواحهم إلى خالقها.
------------
أحدثت بطولات المجاهدين في معركة "المنشية"، صدمة شديدة للطليان، ونبهتهم إلى خطأهم في تقدير قوة الليبيين، وكفوا - من يومها – عن الظن بأن حملتهم للاحتلال هي "نزهة بحرية"، وأخذوا يفكرون: كيف يستطيعون أن يحتلوا مزيدا من الأرض بعدد أقل من الضحايا، فقد أعجزهم أن يدفعوا إلى الحرب بمزيد من الجند من أجل أن يحتلوا الأرض شبرا فشبرا! وتوالت المعارك.
وإذا المجاهدون يُضطرون – بأسلحتهم القليلة – إلى التراجع أحيانا، فأنهم كانوا يثخنون في العدو ويُنزلون به أفدح الخسائر.
وكم كان تقدم العدو بطيئاً! وعندما أراد أن يوسع من رقعة الأرض التي يقف عليها في مدينة طرابلس، ورأى أن يحتل "عين زارة" القريبة، طلب المدد من الحكومة الإيطالية، وجهَّز حملة كبرى قوامها خمسة عشر ألف جندي مزودين بأحدث آلات الحرب.
ويقول المجاهدون، يصفون هذا لجيش في يوم زحفه في 4 ديسمبر 1911 : إن الإنسان، إذا ما نظر إلى هذا الجيش، لا يرى إلا أجساما بشرية تتحرك في مسافة من الأرض، تبتدئ من "قرقاش"، وتملا ما بين "جنزور" و"المنشية"!
كل هذه الاستعدادات كانت من أجل مجابهة المجاهدين، الذين كانوا يمسكون بأيديهم سلاحا قليلا، فإنه يعمر صدورهم إيمان بالحق والوطن والدين، واستبسال ما ينقضي.
وطبّلت أبواق الطليان لاحتلال "عين زارة"! وما "عين زارة"، آخر الأمر، إلا موقع صغير، وذلك كله بعد نزول الغزاة على الشاطئ بستين يوما.. وهم – بعد – في رقعة من الأرض تحيط بمدينة طرابلس ليس إلا.
------------