سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
الجزء ١ · صفحة ١٧واضطر "سليمان الباروني" إلى الإيعاز بجباية الزكاة سدّا للعجز من نفقات الحكومة. وأرسل في ذلك موظفين لحصر أعداد الحيوانات التي يملكها المواطنون في المناطق التي تسيطر عليها حكومة المجاهدين. ولكن بدا أن نفقات الجباية أكبر مما يمكن جمعه من واردات الزكاة. ثم إن الحاجة ألحت حتى لم يعد في المستطاع الانتظار إلى أن تنضج الزروع فتجبى زكاتها.. أضف إلى ذلك تقدم العدو في كل ناحية، وضيق ما تبقى في أيدي المجاهدين من المناطق.
وقد استمرت هذه الحال منذ تأسيس الحكومة في أعقاب الإعلان عن معاهدة الصلح حتى أول مارس سنة 1913 .
وكان الطليان على جلية من أمر هذه الضائقة التي حلت ب "الباروني" وحكومته، كما أنهم لا يجهلون قلة ما في يده من العتاد الحربي…
وتورد المراجع التاريخية نص كتاب سطَّره "سليمان الباروني" في هذه الفترة، ردا على كتاب جاءه من القائد الإيطالي يتضمن مطاعن في شخص الباروني ومقاصده..
يقول "الباروني" في ردّه: "ليكن في علمكم أني لست متقلبا، ولا غدارا، ولا محبا للمال، ولا معاديا للإصلاح والمدنية.. ولكني رجل عرف قيمة الوطن، ومعنى الدين، ولذة الحرية، وفضيلة الشرف. فأنا أكثر الناس شوقا إلى رؤية بلادنا رافلة في حلل الترقي… على شرط حفظ كرامة سكانها، وبقاء استقلالها المشروع.
وإني لاستسهل، في جنب حرية النفس، كلّ صعب… وها أنا الآن أكل من الطعام أخشنه، وأنام على الأرض متوسدا سرج جوادي، واشرب الماء المملح تارة والمر أخرى، وأسير في الليل المظلم الممطر، ولا أرى هذا إلا ألذ من الشهد، ولا يزيد جأشي إلا ثباتاً..
فحافظوا، يا حضرة الوالي، على شرفنا وشرفكم، وأشيروا على دولتكم بالموافقة على استقلالنا حسب الفرمان السلطاني، وتعالوا نستعن بكم على تعمير هذه البلاد كما كان أجداده من قبل… ".
ردٌّ حكيم، يضطرم عاطفة وطنية أصيلة، وكرامة إنسانية نابعة من الأعماق، وذلك كله قد صيغ بأسلوب أدبي رفيع..