سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
الجزء ١ · صفحة ١٩وقد ثبت المجاهدون لهذه الجيوش المتدفقة من كل مكان، ورجحت كفتهم في "الرابطة"، وأن رجحت كفة العدو في "جندرمة". وكانوا جديرين، رغم كل شيء، بالصمود والثبات، لولا أن نفد ما معهم من ذخيرة. فلما حل الظلام قاموا يدفنون شهداءهم، وينقلون الجرحى إلى "يفرن"..
تكبد العدو، في هذه المعركة، خسائر فادحة، ولكن بدا أنه قد حسب حسابها بدليل ما هيا للمعركة من كتائب وافرة العدة والعدد.
ولقد أبلى المجاهدون أحسن البلاء، وكانوا يقاتلون تحت قيادة كبار رجالات الحركة الوطنية، مثل "الشيخ محمد سوف" و"محمد بن عبد الله البوسيفي" الذي أظهر في هذه المعركة بطولة نادرة.
وانسحب المجاهدون، وعلى رأسهم "سليمان الباروني"، من ساحة المعركة تحت جنح الظلام، بعد أن انكسروا في حرب استعد لها عدوهم أعظم الاستعداد، على حين أنهم لم يكونوا يملكون ذخيرة ولا مالا… انكسروا، أجل، وهم يدافعون عن الوطن وعن قيم الحق والشرف والدين، بينما كان العدو يحمل راية الباطل الجهير والاغتصاب المر والقسوة والقتل والتدمير.
وسميت هذه المعركة "معركة الاصابعة"، ويطلق عليها أيضا "معركة جندرمة".
------------
انسحب المجاهدون إلى "يفرن"، ليضمدوا جراحهم. ولكن العدو لم يمهلهم، فاقتفى أثرهم، وصبحهم بجيوشه.
وكان قد أنهكهم التعب والانكسار ونفاذ الذخيرة. والعدو جاءهم بآلياته وعتاده وأعداده.
فاضطروا إلى الانسحاب من "يفرن"، وقصدوا "نالوت" طلباً لاجتياز الحدود إلى تونس.
والتجأ "سليمان الباروني" إلى تونس، هو والمجاهد الكبير "الشيخ محمد سوف" وعدد من أعيان المجاهدين.
وما أن تجمعوا في الأراضي التونسية، حتى طلبت منهم السلطة الفرنسية التي تحكم تونس، تسليم سلاحهم قبل كل شيء. فأجابوا بأنهم فاعلون متى ابتعدوا عن الحدود مسافة يأمنون معها على أنفسهم من ملاحقة الطليان وغدرهم! فلما سلموا سلاحهم، قالت لهم السلطات: - إن الأراضي التونسية لا تتسع لكم! هيا ارحلوا!!