سليمان الباروني المعلم المقاتل فاضل السباعي

سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين

الجزء ١ · صفحة ٢٨

ليل فرنسا الطويل عاش"سليمان باشا الباروني" – بعد عودته إلى طرابلس – منعزلاً، بعيداً عن السياسة وأضوائها، وهو يرى فرحة مواطنيه بما أخذوا يتمتّعون به من الأمن والسلم، مما حققه لهم "صلح بنيادم" بعد حرب دامية استمرّت سنوات.

ولكن الطليان ما كانوا يريدون لهذا الأمن أن يدوم، وهم يتطلَّعون إلى أن يجعلوا من طرابلس وبرقة مستعمرتين لهم، فسعوا إلى بذر بذور التفرقة من جديد… فتوالت الدسائسُ ضد "الباروني" الوطني الغيور، واتُّهم بإحداث الفتنة…

فلم تلبثْ السلطات الإيطالية، أن طلبت إليه، في عام 1922 ، مغادرة البلاد، بعد أن أطلعته على "مضابط" زعمت أنها موقعة من أبناء وطنه، ومنهم أحبابه وحتى أقاربه، ادعت أنهم تقدموا بها راجين إبعاده حتى تهدأ الحالة… وقالت له السلطات: - وسنأذن لك بالعودة، بعد خمسة عشرة يوماً!

فغادر الوطن دون أن يودع أهله وأولاده!

وقد حدَّث ابنته "زعيمة" – فيما بعد – يصف لها شعوره يوم كان على ظهر الباخرة في مياه طرابلس: "… وقد خالجني شعور عميق بأني لن أراها مرة أخرى، فكادت جفوني تمتنع عن الحركة حتى أشبع من منظرها الحبيب. ولم أنتبه إلى نفسي إلا بعد حين عندما توارت وراء الأفق وغابت الأنظار"، وما أشبه الليلة البارحة… فكأن ما قاله "الباروني" لابنته هو نفس الكلام الذي قاله الأمير المناضل عبد القادر الجزائري وهو يودع مدينة الجزائر بعدما أجبره الاستعمار الفرنسي على مغادرة الوطن.

حملته ريح الاغتراب مجدداً إلى الآستانة، ثم إلى أنقرة.

ولكنه وجد الانقلاب "الكمالي" قد أتى على كل شيء!

فحاول السفر إلى الشام، أو مصر أو تونس… ولكن حالت دون تحقيق أي من هذه الرغبات كل من فرنسا وبريطانيا!

فاجتاز رومانيا في طريقه إلى أوربا، وهو يحمل جواز سفر باسم مستعار: "سليمان بن عبد الله العثماني"… إلى أن ألقى عصا التسيار في باريس، عاصمة النور ومهد الحرية، كما يقولون!

٢٨ / ٣٥