سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
الجزء ١ · صفحة ٣٠ولكنه ظل ذلك الحر الأبي الذي يشكو - إن شكا – دون أن يفارقه إحساسه بعظمته الشخصية وإيمانه بالله: كتب في رسالة مطولة، بعث بها من باريس إلى صديقه "أبي اليقظان الحاج إبراهيم"، بتاريخ 1924 / 1/ 17 يشكو صروف الزمان، ويقول عن رسم له (أي صورة): "… إن صاحب الرسم هو على ما تعلمونه، وبناته اللواتي لبسن أفخر الثياب وأكلن ألذَّ الطعام، وسكنَّ أعظم قصر في أجمل موقع في الأرض، يأكلن (اليوم) الخبز والشعير، ويلبسن الصوف، ويغزلنه بالأجرة لمن كان يتلقى إحسانهن صباحاً ومساء – وتلك حال لا تدوم بإذن الله– ويسكنّ دويرات بين كثبان رمل زوارة… ولو مدَّ صاح بالرسم يده، أو ألان جانبه، لكان أغنى من قارون! ومع ذلك كله لم يتأثر حزناً، ولم يسهر أسى وأسفا، بل هو هو لم ييأس، ولم يزل يقول: يودون موتي، ولكنني على رُغم أنفهم لا أموت
------------
وعاد "الباروني " يطرق أبواب قناصل الدول في "عاصمة النور" … وهو يؤكد لهم أنه قد اعتزل السياسة ولن يقوم بأي نشاط سياسي مهما كان شأنه، وإنما يريد أن يغادر هذا المنفى الذي دفعته إليه الأقدار دفعاً، ليعيش في تونس، أو الجزائر، أو سورية، أو مصر…قصد أن يجتمع بعائلته، التي تعيش بين كثبان "زوارة" في صحراء طرابلس.
فأما السلطات الفرنسية، فإنها ما تزال على إصرارها من منعه من دخول تونس والجزائر وسورية!
وأما السفارة البريطانية، فنها ترفض أن يقترب من … الشرق العربي، وبخاصة مصر!
وأما السفارة الإيطالية، فهل يرحمه الذين أخرجوه من بلاده دون أن يتيحوا له أن يودع أهله، وهم يقولون له: "سنأذن لك بالعودة بعد خمسة عشر يوماً"؟
وأما تركيا فانه هو نفسه لا يريد العيش في ظل العهد "الكمالي".
------------
ثم جاء الفرج، بعد هذا الليل الفرنسي الطويل: كتب إلى "الشريف حسن" – وقد كان يعرفه في الأستانة – يطلب منه تسهيل السفر له إلى مكة لأداء فريضة الحج (سنة 1342 هجرية).