رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٤٦علينا أن نعي أن الثابت أساس وفرشة للمتغير، والمتغير نابع ومنبثق من الثابت، ولا بد من ملاحظة ذلك كله، فمراعاة أحدهما وإغفال الآخر هو في الحقيقة إخلال بالمعادلة المتزنة في الكون، فلا استقرار ولا اعتدال إلا بتحقيق هذه المعادلة الدقيقة، وإلا فالاضطراب والدمار والانحطاط، فعندما نولي اهتمامنا بالثابت فقط دون المتغير، فإن الحياة ستجنح بعيدا، ولا نستطيع أن نواكبها، فنظل جامدين في طرحنا وعلاجنا للقضايا والمشكلات، والحياة لن تتوقف لكوننا جمدنا عند الثابت فقط، فسنن الله ماضية، وعجلة الحياة ستأتي عليه فهي لا ترحم إلا من يسابق هذه العجلة ويرسم لها الخط الذي ستسير عليها، وما اندثار كثير من الأمم والحضارات إلا من هذه الجهة، حيث لم تستطع أن تواكب المتغيرات التي تجري في الكون، ولا التبدل الجاري في الحياة.
وفي المقابل فإن الاهتمام بالمتغير على حساب الثابت، هو الآخر يؤدي إلى الاضمحلال والاندثار، حيث إن إهمال القاعدة التي انبنى عليها المتغير ذاته، سيؤدي إلى انهيار هذا المتغير، لأنه سيبقى بدون قاعدة، وينبني على غير أساس.
وعلى هذا الأمر تركبت حضارة العولمة الرأسمالية، فهي قد تركبت على إهمال الثابت إهمالا شبه تام، واعتنت عناية فائقة بالمتغير وحده، وهذا ما يؤذن بسقوطها وفنائها، وحينها لن تنفع مقولة "نهاية التأريخ" هذه الحضارة، لأنها قائمة على شق واحد فقط، وتركت الشق الآخر؛ الذي قد يكون هو الأهم.