رسالة المسلم في عصر العولمة خميس بن راشد بن سعيد العدوي

رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي

الجزء ١ · صفحة ٤٧

أما الإسلام فقد راعى ذلك كله من خلال تشريعاته العظيمة، فقد جعل الله تعالى في كتابه العزيز ما هو محكم لا يحتمل إلا معنى واحدا، وهو ما يراعي الثابت، فمنه ما يتعلق بخالق هذا الكون كوحدانية الله تعالى وأسمائه الحسنى، ومنها ما يتعلق بالغيب كاليوم الآخر، ومنها ما يتعلق بالإنسان فردا وجماعة كإقامة كالشعائر التعبدية، ونحو ذلك، فأصول هذه الجوانب من المحكم في دين الله تعالى، وهو غير قابل للنزاع والاختلاف، ولا يجوز الخلاف في أصول هذه الثوابت وبالتأكيد لا يجوز نكرانها.

ثم يأتي المتشابه الذي يتسع ليأخذ بحجز هذا الكون من أطرافه فيضمها تحت قاعدة سعة الرأي، حيث جاء كثير من نصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة -بل هو الأكثر والأعم- متسعا ومكتنزا للكثير من المعاني، حتى تعطي هذه النصوص حلولا لا نهائية لمستجدات الحياة، وهذا هو سر خلود الشريعة وشمولها للمكان وعمومها للزمان.

ثم مما ينبغي أن ننبه عليه في الحقل الفقهي الذي يستنبط الأحكام والحلول للمستجدات، أن النصوص التي تحمل الكثير من المعاني، ينبغي أن نتجاوز فيها آلية الترجيح الآحادية، بمعنى ينبغي أن لا ننطلق فقط من المرجحات اللغوية في عملية الاستنباط من الأدلة التي تحمل العديد من المعاني، فاللغة هي إحدى المرجحات، ولكننا ننطلق بالإضافة إلى ذلك من أرض الواقع التي ينبغي مراعاتها، والله تبارك وتعالى لو أراد لنا رأيا واحدا؛ هو الذي يرجح على غيره لفعل، وهو القادر على كل شيء، وقد فعل فيما يدخل تحت المحكم، وإنما سبحانه وتعالى لحكمته العظيمة جعل المتشابه متشابها لأجل سعة الرأي، وإعمال الفكر لكي يدير الإنسان هذه الحياة بكافة متغيراتها، فكل المعاني والآراء المنبثقة من النص قابلة للاستفادة منها وتفعيلها وفق آلة الاجتهاد الصحيحة.

٤٧ / ٧٢