رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٥٠ثم جاءنا الغزو الفكري من أهل الكتاب المتمثل في التجسيم والإرجاء، ودخل إلينا عبر الروايات المنسوبة كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دخل إلينا التراث الأسطوري عبر الدخيل في التفسير، فصيغ عقل الأمة بهذه الخليط الفكري المتعارض مع شرع الله تعالى وسننه في خلقه، فجعل منا أمة خامدة راكدة، تعمقت فينا النعرة القبلية والعصبية المذهبية والحمية القومية، فأصبحنا نتنازع في التوافه، ونتقاتل على الفتات، وتركّب تصورنا الفاسد على أخذ بعض دين دون بعض، وشاع فينا التقليد بعد أن جاء كتاب الله تعالى ليحاربه، وأصبحنا لا نرى دين الله تعالى إلا بعيون البشر الذين يعتريهم الخطأ والصواب، وأصبح الخروج عن كلامهم كأنما هو خروج عن دين الله تعالى.
بهذا الانحراف الفكري أخذنا ننتقل من مرحلة ضعف إلى مرحلة أخرى أضعف، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ففوجئنا بخصومنا وقد أمسكوا زمام الأمر وسيطروا على مقاليد الأمور، واعتلوا صهوة الحياة، وهجموا علينا بقضهم وقضيضهم، يستعمرون ديارنا، ويقتلون شعوبنا، وينهبون خيراتنا، لكن الأخطر من كل ذلك الانبهار الذي أصابنا تجاه هؤلاء القوم، فأخذنا نعتنق مذاهبهم الفكرية، ونتمثل سلوكهم وطريقتهم للحياة، فإذا بنا نتقلب من تبعية هذا إلى تبعية ذاك، وكل مرة نجرب منهجا وضعيا، فنخرج به خاسرين.
وليت الأمر اقتصر على صراعنا مع عدونا، بل الأمر أشد من ذلك وأدهى، حيث أخذنا في قتال بعضنا البعض، يكيد أحدنا للآخر، ونستعدي على إخوتنا في الدين أعداء الله وأعداءنا وأعداء البشرية، فتفرقنا أيدي سبأ، وذهبت ريحنا وفشل أمرنا، ونسينا تحذير الله سبحانه وتعالى لنا من هذا الحال عندما قال: ((وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) الأنفال:46.