رسالة المسلم في عصر العولمة خميس بن راشد بن سعيد العدوي

رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي

الجزء ١ · صفحة ٥٢

فهذا الدين يصهر الشعوب التي تعتنقه في أمة واحدة وحضارة واحدة، لا تتمايز عن بعضها البعض إلا بتقوى الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ

عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات:13، ولكن في هذا الانصهار لا يتعدى على خصوصيات الشعوب الأخرى، فهو لا يفرض عليها التقاليد العربية الخاصة، ولا يذيب الشعوب غير العربية تحت جناح الشعب العربي، بل هو الانصهار المتكافئ والمتداخل مع بعضه البعض تحت مظلة الإيمان بالله وتقواه واتباع شرعه.

فالقيم والتقاليد العربية هي بنفسها محتاجة إلى الشرعية من دين الله تعالى، وهذه الشرعية تتلخص في تهذيبها بروح الإسلام، وحذف ما يوجد فيها من مخالفات شرعية، وتثبيت ما أمر به الإسلام، وهكذا بقية الشعوب، وعندها تلتقي الشعوب بتفاعل رائع فيما بينها، فلا غلبة لثقافة قومية بعينها، وإنما الامتزاج والانصهار المتكافئ.

هذه المعادلة الوسط التي جاء بها الإسلام لا نراها في حضارة العولمة الرأسمالية، فنحن لا نرى إلا التغييب الكامل للحضارات الأخرى، والمحاولات المستمرة لطي تلك الحضارات لتحل محلها الحضارة المادية والقيم الأمريكية.

فهناك فارق واضح جدا بين عالمية إسلامنا والعولمة المعاصرة في التعامل مع الشعوب التي تنضوي تحت لواء كل منهما، ففي الإسلام شعوب متفاعلة تنسجم تحت وشيجة الدين الواحد، وأما في العولمة القائمة فهو الدمار والمسح والمسخ للشعوب الأخرى وحضاراتها.

إن الإسلام لا يريد من الشعوب أن تنسلخ من هويتها وأن تتخلى عن حضارتها، وإنما يريد منها أن تدخل في دين الله تعالى، فتهذب نفسها بتهذيب الإسلام، والإسلام يجعل من التنوع والتباين عامل بناء لحضارة واحدة بشعوب متكافئة فيما بينها.

٥٢ / ٧٢