رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٦٢لقد شهدنا في تأريخنا الإسلامي عمالقة من المفكرين والعلماء، ولكن للأسف الشديد ظل حال الأمة على ما هو عليه من التراجع، طيلة القرون الممتدة، وفي رأينا أن ذلك راجع إلى تشتت جهود هؤلاء العلماء بسبب الأعمال الفردية، فكم رأينا من كتب ذات دراسات معمقة، ولكنها ظلت حبيسة غير مفعلة بسبب عدم الاستفادة منها، ووضع المؤسسة التي تتبناها.
وعندما نقول هذا الكلام، فإننا لا ننفي أنه قد قامت مؤسسات علمية، لكنها ظلت تأخذ الطابع التدريسي البحت للعلوم، ولم تخرج إلى الحياة بأدوار فاعلة، كما أنها أيضا ظلت تتبنى رؤية مؤسسها ولم تتطور بالمراجعة الجماعية، فهي تظل مؤسسة علمية تدريسية بعقل فردي.
وهذا ما يفسر لنا الكثافة العلمية الواسعة في تأريخنا الإسلامي التي لم تكن فاعلة على المستوى المطلوب.
ووجدت أيضا مؤسسات تبنتها الدول في بعض الأحايين، لكنها لا تعدو أن تكون سخرة للشخص الحاكم أو الأسرة الحاكمة، ولذلك ظلت هذه المؤسسات تراوح مكانها دون أن تتقدم بالمجتمع المسلم، ولم تعمل بالتالي على نهضة الأمة، بل إن هذه المؤسسات سرعان ما تتعرض للوأد عندما تشم منها السلطة ريح الاستقلال، أو أنها تموت كلية عندما يتغير الحاكم أو الأسرة الحاكمة، ولا غرو في ذلك لأنها قامت لخدمة غرض تزول بزواله.
الضعف في الأمانة
الأمانة حمل ثقيل، ينوء بحملها الإنسان، وقد صور الله تعالى لنا ثقل الأمانة تصويرا دقيقا وبديعا، عندما تحدث عن إباء حمل السموات والأرض والجبال لهذه الأمانة، فتولى الإنسان حملها، ولكنه -للأسف الشديد- كان ظلوما جهولا، يقول سبحانه وتعالى: ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)) الأحزاب:72.