رسالة المسلم في عصر العولمة خميس بن راشد بن سعيد العدوي

رسالة المسلم في عصر العولمة لخميس العدوي

الجزء ١ · صفحة ٦٣

وقد ابتليت الأمة الإسلامية على عموم خط السلطة فيها بالاستبداد، هذا الاستبداد الذي أملته الخيانة في حمل الأمانة، فبعد الخلافة الراشدة تحول الحكم في الإسلام إلى ملك عضود مستبد، وغيبت الأمة عن دورها الحقيقي في البناء الحضاري، فسخر الحاكم المتسلط الأمة كلها لخدمته، فكان يزرع الزارع لأجله، ويقاتل المقاتل لأجله، ويكتب الكاتب لأجله، وهكذا ذهبت الأمانة من الأمة، فأصبح مال الله دولا بين الحكام، وعباده خولا لهم.

هذه السياسة المستهترة بالأمانة والمغيبة لحقوق الأمة قد سادت لحقب متطاولة، شهدت الأمة خلالها تراجعا في كل جوانب الحياة، وذهبت مقدرات الأمة هدرا، واستغلت الأموال العامة في خدمة المصالح الخاصة.

والأدهى من ذلك أن اعتبر كل من يحاول أن يصحح الأوضاع ويرجع الأمور إلى نصابها بأنه خارج عن الجماعة مارق من الدين، وعودي عداء شديدا، ووضعت فيه الروايات المكفرة، وكتبت فيه الكتابات المجحفة بالحق الذي ينادي به، بل شنت عليه الحرب التي قضت عليه، وتتبع هذا الفكر الإصلاحي من قبل السلطة بالرفض تارة والتعتيم في أحوال أخرى، هذا في مجريات التأريخ الإسلامي القديم.

أما الآن فلا زلنا نشهد تضييعا مؤسفا للأمانة، فلا زال يتحكم التسلط والاستبداد بالأمة، ولا زالت لا تراعى الأمانة، وتهدر الإمكانات، وتوزع المقدرات بحسب الولاء السياسي، وتذهب أموال الأمة تبعية للأعداء لأجل الحفاظ على مواقع السلطة.

وفي ظل هذا التضييع المستمر للأمانة فقدت الأمة الثقة في قياداتها، وبالمقابل لم تأمن هذه القيادات من أتباعها، وأخذت تتصور أي إصلاح في الأمة هو تهديدا لكيانها، ودخلت الأمة بذلك في صراع مرير، وصل إلى حد سفك الدماء، والنفي للناس من بلدانهم، وظهر ما يعرف بالإرهاب والإرهاب المضاد، ولا زالت الأمة تجني مرارة ذلك إلى الآن.

٦٣ / ٧٢