الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

.

إن كل هذه الحقائق التي يشاهدها الإنسان وهو يقلب ناظريه في صفحات هذا الوجود لتدل دلالة قاطعة على وحدانية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وخلقه السموات والأرض، والنظام العجيب الذي يربط بين أجزائها ، بحيث يشد هذا النظام كل ذرة من الذرات إلى أخواتها ، فتتكون منها الجزيئات ، ثم تتكون منها المركبات ، ثم تتكون منها الأجرام إلى ما وراء ذلك ، كل ذلك دليل على وحدانية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وناهيكم بالرباط العجيب الذي يربط بين هذه الأجرام المترامية الأطراف، فإن سنة الجاذبية التي تشد بعضها إلى بعض دليل على أن المكون إله واحد ، على أن هذا النظام هو نظام وحدة يتجلى في كل شيء في هذا الوجود ، من أدق الذرات إلى أوسع المجرات ، فكل ذرة فيه تنادي بلسان حالها أن هذا الكون كله ما هو إلا وحدة متكاملة ، كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء ، وهو دليل قاطع على أنه لا يمكن إلا أن يكون صادراً إلا عن مكوّن واحد ، إذ لو كان هناك أكثر من مكوّن لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة ، وذلك مما يؤدي إلى أن يختلفوا في المراد ، فيكون بينهم التنازع والتدافع ، وذلك مما يؤدي إلى فساد الكون بلا ريب ، وهو ما يشير إليه قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا "(1) ، فإذن القرآن عرّف الإنسان من أين جاء وكيف تكوّن ، وأنه مخلوق كان بعد أن لم يكن ، خلقه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فسواه ، وقد جاء القرآن الكريم بما يبهر العقول من بيان آيات الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - البينات في خلق هذا الإنسان ، فانظر إلى قوله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين "(2)

(1) الآية رقم ( 22 ) من سورة ( الأنبياء ) .

(2) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المؤمنين ) .

١٠٩ / ٣٩٩