الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١١٠

، تجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - كشف منشأ خلق الإنسان وأطوار تكوينه، إذ بيّن بأنه بدأ خلق الإنسان من طين ، وهذه حقيقة لا يجادل فيها عاقل ، فإن جميع الأدلة تدل على ذلك ، إذ جميع العناصر التي يتكون منها التراب موجودة فيه بنسب متفاوتة ، وهذا كله يدل على صدق هذا النبأ الإلهي الذي أخبر به - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قبل اكتشاف الإنسان لهذه الحقيقة العلمية بقرون ، ثم بين أنه جعله نطفة في قرار مكين، والقرار مكان الاستقرار ، والمكين من المكانة وهي القوة ، وهو ما اكتشفه العلم الحديث من خلال اكتشافه أن الرحم يُحاط بسياج من العظام المتشابكة التي تقي الجنين ما يصيب الأم من اللكمات والهزات، وأن الله تعالى جعل على بابه إفرازات تقضي على كل الجراثيم التي لولاها لتسربت إلى الجنين ولفتكت به، ثم إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ذكر الأطوار بعد ذلك طوراً بعد طور، وفرّق بين المضغة والعلقة تفريقاً دقيقاً في التعبير، حيث عبّر عن العلقة بما يدل على العلوق، وعبر عن المضغة بأنها مضغة على وزن فُعلة، وفُعلة هنا بمعنى مفعول، وذلك دليل على أن العلقة كما ذكرنا في هذه المرحلة تكون لاصقة بجدار الرحم عالقةً به، لأن باب الرحم يكون مفتوحاً، فلولا هذا العلوق لخرج الجنين من باب الرحم، ثم بعد ذلك ينسد هذا الباب بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وعندئذٍ ينفصل عن الجدار، ويبقى متردداً بين جوانب الرحم كما تتردد اللقمة التي يمضغها الآكل بين جوانب فيه، وهذا من أسرار التعبير الإلهي في كتاب الله العزيز، ثم ذكر - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن هذه المضغة تتكون منها العظام، ثم يكسو سبحانه هذه العظام باللحم، وجاءت العبارة بما يفيد الترتيب حيث عطف بالفاء في قوله: "فكسونا العظام لحما" وقد ثبت أن جميع خلايا اللحم تتكون بعد أن يستكمل الهيكل العظمي خلاياه، فهذا أيضاً من أسرار التعبير القرآني المعجز في دلالته مع أن الله

١١٠ / ٣٩٩