الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١١١أنزله على نبي أمي، لم يكن يقرأ من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، ولم يكن يتتبع ما يجري في هذا الكون من ابتكار الصناعات، أو من استنتاج المعلومات، وإنما كان منطوياً على نفسه، حتى أنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليه كتابه الكريم.
وبيّن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن الشك في وجوده لا يمكن أن يسري إلى نفس عاقلة تتدبر ما يجري في هذا الوجود ، إذ يقول : " أفي الله شك فاطر السموات والأرض "(1) ، فمن الذي أوجد هذا الوجود ؟ فهذه السموات والأرض جعلها الله تعالى منتظمة مترتبة متناسقة ، كل جزء منها مكمل لبقية الأجزاء ، وكل جانب من جوانبها آخذ بحجزة الجانب الآخر ، ليتم التواؤم والتلاؤم بين جميع هذه الأجزاء ، فهل يمكن أن يكون هذا النظام والترتيب العجيب حدث تلقائياً من غير أن تتدخل إرادة مريد وقدرة قادر؟ كلا وألف كلا ، فإنه يتعذر في جميع العقول أن يتصور عاقل بأن مادة من المواد تتخلق تلقائياً بنفسها من غير أن يتدخل فيها صُنع صانع ، فالبناء الذي نأوي إليه ليس من المقبول في أي عقل من العقول بأن مواده من إسمنت وحديد وغيرها جاءت من تلقاء نفسها ، واختلطت بنفسها تلقائياً حتى تكون البناء من غير أن يصنعه صانع ، فبمجرد ما ينظر أحدنا إلى أي بناء يدرك أن صانعاً صنعه ، وعندما ينظر أحدنا إلى أي جهاز يدرك من أول وهلة أيضاً أن صانعاً صنعه ، فكيف يقال بأن هذا الكون الذي لم يكن موجوداً من قبل قط خرج بنفسه من العدم إلى الوجود ، ثم تخلق حتى تصنع هكذا ، فكان آية باهرة في الترتيب والتنسيق والإبداع ، ومثل هذا الأسلوب في الإقناع اتّبعه بعض الفلاسفة الذين بدأ نور الإيمان يشرق على نفوسهم فانقشعت عنها ظلمات الإلحاد ، وذلك في حوار لمن كان منهم لا يزال على إلحاده، فقد روي عن سقراط أنه كان من بين الفلاسفة الذين كانوا يعتقدون أن هذا الكون لابد له من مكوّن ، وأن مكوّنه هو الله
(1) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( إبراهيم ) .