الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١١٣إن القرآن الكريم يشد انتباه الناس إلى حقائق الوجود لينفذ ببصيرته منها إلى تجليات الوجود الحق ، فانظر كيف يفتح الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بصيرة هذا المخلوق على ذلك حيث يقول : " أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ، لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون ، أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ، لو نشأ جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون "(1) ، فإن الله تعالى يذكر من خلال هذا عباده بما هم عنه غافلون من آياته التي تتراءى لهم في هذا الوجود ليدركوا سر وجوده ، فهو يذكرهم أولاً بابتداء خلقهم ، من مني يمنى، وتطوير النطفة التي هي نواة وجود الإنسان من هذا المني طوراً بعد طور ، على أن هذا المني الدفقة الواحدة منه تشتمل على مئات الملايين من الحيوانات المنوية ، ويتم اللقاح بحيوان واحد فقط ، وهو في دقته وصغره يحمل جميع الخصائص البشرية العامة والخصائص الأسرية الخاصة ، فتنتقل الخصائص الوراثية من الآباء والأجداد إلى الحفدة والأولاد بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، أليس ذلك شاهداً على عظمة المعبود الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
ثم يذكرهم بالزرع ونموه وثمره فإنه هو الذي يطور البذرة طوراً بعد طور ؟ حتى تخرج منها شجرة باسقة تعطي ثمارها بإذن ربها ، وما للإنسان على ذلك من سلطان ، وإنما تلك هي قدرة الله تعالى تتجلى في كل غرس ينمو وفي كل زرع ينبت.
(1) الآية رقم ( 72 ) من سورة ( الواقعة ) .