الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١١٥وقد جاء القرآن الكريم مبصراً للإنسان بأمر المعاد ، فإنه كما عرف الناس بأن مبدأهم من الله عرفهم أن معادهم إليه ، وأن هذه الحياة ليست كل شيء في الوجود البشري ، فهي مرحلة يعبرها الإنسان إلى ما بعدها ، إذ الموت الذي هو حقيقة مسلّمة عند الجميع ما هو إلا جسر عبور إلى الدار الآخرة لأن الله تعالى يبعثه بعد موته كما أنشأه النشأة الأولى ، وقد أقام الحجج الدامغة لشبه كل من تسول له نفسه بأن يلبس الحق بالباطل في هذه القضية ، يقول الله تعالى : " يا أيها الناس إن كنتم في ريبٍ من البعث فإنا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة أو غير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علمٍ شيئاً ، وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج ، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيءٍ قدير، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور "(1)، فالذي خلق الإنسان من تراب ، ثم حوله إلى نطفة ماء ، ودرجه في مختلف المدارج حتى صار بشراً سوياً، ثم أفاض عليه من هباته ، ومنحه العقل والعلم والفكر والوجدان والتصور ، قادر على أن ينشئه النشأة الأخرى ، ويتجلى ذلك في مشاهدات الإنسان في الحياة نفسها، حيث يرى الأرض هامدةً فإذا أنزل عليها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج "(2) ، وهو مما يجلو عن بصيرة الإنسان ظلمات اللبس في أمر المعاد وقد تكرر ذلك في آيات شتى أراد الله بها تبديد شبه مُنكري البعث ، منها قوله: "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين ، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي
(1) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( الحج ) .
(2) الآية رقم ( 5 ) من سورة ( الحج ) .