الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١١٦أنشأها أول مرة وهو بكل خلقٍ عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ، أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادرٍ على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون "(1) ، يقيم الله في هذه الآيات حجج الحق على عباده المنكرين للبعث بتشخيص دلائل كثيرة ، منها خلقهم من نطفة مهينة ، إذ لا يتصور ممن قدر على خلق إنسان سوي عاقل من هذه النطفة أن يكون عاجزاً عن بعثه بعد موته ونفوق أشلائه؛ ولو تحولت خلايا جسمه إلى ذرات متطايرة في الفضاء ، متناثرة في أجزاء الأرض، فليست هذه النشأة أعجب من النشأة الأولى ، ومنها خلق السموات والأرض من العدم المحض، وإخراج النار من الشجر الأخضر ، إلى ما وراء ذلك من الآيات البينات القاضية باستحالة عجز من هذا شأنه عن بعث مخلوقاته ، ليتبينوا أنهم مبعوثون بعد موتهم ومجزيون بأعمالهم كما أخبرهم الله تعالى ، فمن خلق الإنسان من عدم قادر على أن يعيده مرة أخرى ، بل ذلك أهون عليه ، والكل هيّن في حقه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، إذ هو يفعل ما يشاء ويخلق ما يريد ، من أقوى الأدلة عليه خلق السموات والأرض، وما أدراك ما السموات والأرض في أبعادها التي لا تتصورها العقول ولا تحيط بها الأرقام ، ومع ذلك فإن بينها من الترابط الذي يشد بعضها إلى بعض ما جعلها متناسقة منسجمة في حركات أجرامها واتحاد نظامها وتلاؤم طبائعها كالشيء الواحد.
(1) الآية رقم ( 77-83 ) من سورة ( يس ) .