الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٢٣.
وقد كان السلف الصالح حريصاً على التكيف وفق تعاليم القرآن ، لذلك عندما كانوا يتعلمون القرآن الكريم ما كانوا يتعلمونه تلاوةً وفهماً من الناحية الفطرية فحسب، بل كانوا يتعلمون تطبيقه أيضاً ، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه : أنهم كانوا يتعلمون القرآن عشر آيات عشر آيات ، لا يغادرونها إلى ما بعدها حتى يتقنوا ما فيها من العلم والعمل ، فقد كانوا يكيفون حياتهم وفق تعاليم القرآن الكريم، يتعلمون العمل به كما يتعلمون علمه ليتجسد في سلوكهم كما يتجسد في تصورهم، من أجل ذلك وصفوا بما وصفوا به إذ قرن الله به عليه الصلاة والسلام وقال فيهم أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مُحَمَّد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار "(1) ، وأثنى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على المهاجرين والأنصار الذين جسدوا القرآن في تضحياتهم العظيمة التي قام بها قائم الدين وشمخ بها صرح الحق العتيد تعاليم القرآن ، عندما ضحوا بهذه الدنيا كلها من أجل الوصول إلى الغاية المثلى التي يسعون إليها ، وهي السعادة العظمى بالفوز بنصر الله في الدنيا ورضوانه في الأخرى ، وذلك في قوله : " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون "(2) ، وقد مشى على هذا الدرب السلف الصالح أهل الاستقامة في
(1) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( الفتح ) .
(2) الآية رقم ( 9 ) من سورة ( الحشر ) .