الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

لجلاله ، فما لهذا الإنسان يشذ عن نظامه ، فلا يستجيب لداعي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ولا ينقاد لأمره ، مع عظم افتقاره إليه وعدم استغنائه في أي لحظة من لحظاته عن أقل جزئية من أجزاء ألطافه ، إن هذا الإيمان عندما يتغلغل في أعماق النفاس ويستحكم في سويداء القلب(1) يسمو بإرادة الإنسان فيجردها من أسرِ الشهوات والنزغات.

وأما الإيمان باليوم الآخر فهو الإيمان بالمنقلب الذي لا مناص لأحدٍ منه ، فكما أن الحق - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أنشأ الوجود من عدم يعيده من جديد كما بدأه أول مرة بعد أن يفنيه بقدرته ، كذلك منقلب كل شيء إليه ، فما لأحد مفر عن أن يرجع إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وفي منقلبه هذا يحاسب على ما قدم وأخر وأعطى ومنع ، وعلى كل تصرف تصرفه في حياته ، ذلك لأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمره ونهاه ، وهو سائله عن فعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه ، ولا ريب أن هذا الإيمان يؤدي إلى تقوية إرادة النفس في مقابل شهواتها ونزغاتها ، فإن الإنسان بإيمانه بالله يحس بدافع من نفسه يدفعه إلى الانقياد لأمره ، والإذعان لحكمه ، والوقوف عند حدوده ، وعدم تجاوز شيء منها ، ولكن مع دخوله في معترك الحياة يضعف عن مقاومة رغباته الجامحة ونزغاته الطائشة ، فتتضائل إرادته أمام تياراتها حتى تتلاشى ، إلا أنه عندما يؤمن بالمنقلب ، وأنه يحاسب فيه على ما قدم وأخر، ويلقى جزاء عمله كله كاملاً " يوم توفى كل نفسٍ ما عملت وهم لا يظلمون "(2) ، فإن نفسه تتطامن مع هذا ، ويتمكن من إصلاح قلبه والسيطرة على نزغات نفسه ونزعاتها وكبح جماح شهواتها ورغباتها ، حتى يكون متفاعلاً مع أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في سره وجهره، منقاداً لحكمه مذعناً لطاعته ، واقفاً عند حدوده ، لأن في هذا الإيمان وصلاً بين المخلوق وخالقه ، لأنه يملأ نفس

(1) سويداء القلب: حبتة القلب، أي عمقه.

(2) الآية رقم ( 111 ) من سورة ( النحل ) .

١٣٥ / ٣٩٩