الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٣٩إن الإيمان الحق الذي يجعل الإنسان يستعلي على رغباته ونزواته ، ويتحكم في شهواته ونزغاته ، هو الإيمان القرآني الذي يصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ويصف اليوم الآخر الوصف اللائق بجلال الله ، واللائق بعدله في الدار الآخرة ، وهذا الإيمان هو الذي يجعل الإنسان يربط نفسه بعجلة خوف الله تعالى ورجائه ويعدل بينهما ، فلا يطغى الرجاء على الخوف حتى يأمن مكر الله ، ولا الخوف على الرجاء حتى ييأس من رحمته ، وإنما ينظر إلى فضل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وإحسانه ، فيفيض على نفسه فيض من الرجاء أن يختم الله له بخواتم الصالحين ، وأن يبوئه مبوأ صدق في الدار الآخرة ، وأن يخلصه من أثر شهواته ورغباته ليكون عبداً مخلصاً له سبحانه، فهو لا ييأس من ألطاف الله في دنياه ليحوله من الفساد إلى الصلاح ومن الضلال إلى الهدى ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ، كما أنه لا ييأس من رحمة الله في الدار الآخرة مع الحرص إلى السعي إليها بالتوبة النصوح والعمل الصالح عملاً بقول الله سبحانه : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ، أن تقول نفس يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول لو أن لي كرة فأكون من المحسنين "(1) ، وينظر إلى عظيم حق الله تعالى وقصوره في أدائه مع إحساسه بالخوف فتشتعل في أحشائه نار الخوف من الله ، ذلك لأنه كما لا ييأس من رحمته - عَزَّ وَجَلَّ - لا يأمن مكره ، يجعل نصب عينيه قوله تعالى : " لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون "(2) ، وقوله : "
(1) الآية رقم ( 56 ) من سورة ( الزمر ) .
(2) الآية رقم ( 99 ) من سورة ( الأعراف ) .