الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٤٦أما الجانب الخلقي فهو الجانب المهم في إصلاح النفس وتربية الضمير واستقامة السريرة والعلانية ، فعلى الإنسان أولاً أن يكون مخلصاً لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في جميع أعماله وأقواله ، والإخلاص إنما ينشأ عن معرفة الإنسان الحقة بربه - عَزَّ وَجَلَّ - ، بحيث يعلم أن الله وحده هو الذي بيده ناصيته ومنه مبدؤه وإليه مرده ، كل ما به من نعمة فمنه ، ولا يكشف عنه الضراء غيره ، فلو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له ، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء كتبه الله تعالى عليه ، وهذا يقتضي ألا يراعي جانب أحد من خلق الله في عمل يعمله مما يتقرب به إلى الله ، فلا يُرائي في أقواله ولا أعماله ولا أحواله، كيف والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن لنا أن الرياء محبط للأعمال حيث يقول : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين "(1)، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن أن اليهود يراءون بأعمالهم ، ويبتغون بها وجوه الناس ، وهذا مما يجعل المؤمن الحق يربأ بنفسه عن هذه الخصلة الدنيئة، ويصون صالحات أعماله حتى لا تتلوث بدنسها فليس من شأن المؤمن المراءاة ، لأنه يعلم علم اليقين أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليم بخفايا نفسه وطوايا ضميره ، فيحرص على إخلاص سريرته له ، على أنه تعالى هو الذي سخر له ما في الوجود ، وأسبغ عليه صنوف النعم ، وبسط له بساط الكرم ، وفيأه ظلال النعيم الخير ، ومنّ عليه بعظيم الفضل ووافر النعيم ، وهذا يجعل العاقل حريصاً على أن يكون في أعماله كلها مخلصاً لوجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فالإخلاص عامل مهم في إصلاح
(1) الآية رقم ( 264 ) من سورة ( البقرة ) .