الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

ثم أتبع ذلك تعليم البيان امتناناً بهذه النعمة الكبرى التي تتوقف عليها وظيفة الإنسان فرداً ومجتمعاً ، لأنه كما قلنا هو الخليفة في الأرض ، فهو بحاجة إلى أن يتفاعل مع هذا الكون ، وأن يتعامل مع كل جنس من الكائنات التي تشاركه الوجود في هذه الأرض أو فيما حولها ، ولا يمكنه ذلك إلا بعد تمكنه من تشخيصها والمعرفة بخصائصها ، فإنه بمعرفته بها يمكنه أن يضع أي شيء موضعه ، وكل ذلك متعذر إلا بعد معرفته بأسمائها التي تميز بعضها عن بعض ، وبجانب ذلك أيضاً فإن الإنسان كائن اجتماعي محتاج إلى كل فرد من بني جنسه ، إذ لا يستغني أحدٌ عن أحد ، وهذه سنة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في هذا الجنس من مخلوقاته ، إذ جعل مصالحهم متشابكة ومنافعهم متداخلة ، لأجل أن تكون حياتهم اجتماعية ، بحيث لا يستغني قوي عن ضعيف ، ولا حاكم عن محكوم ، ولا غني عن فقير ، ولا أبيض عن أسود ، ولا قريب عن بعيد ، بل كل منهم مفتقِر ومفتَقر إليه ، وذلك لأجل أن يضطلعوا جميعاً بالأمانة الملقاة على عاتقهم، وهي أمانة الخلافة في الأرض، ولا يمكنهم –مع تشابك مصالحهم وتداخل شئون حياتهم– إلا أن يتعارفوا ، ولا يمكنهم أن يتعارفوا إلا بما جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لهم من ملكة في البيان ، فبالبيان يعبِّر الإنسان عما في ضميره، ويعرّف غيره ما لم يعرف ، ويستلهم الحقائق التي لم يكن عارفاً بها من خلال سؤاله الآخرين عما هو جاهل به.

١٥٣ / ٣٩٩