الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الناس في هذه الموهبة متفاوتين تفاوتاً كبيراً ، كما أنهم متفاوتون في سائر المواهب ؛ إذ لا يُعرف جنس من الأجناس التي خلقها الله تعالى على ظهر هذه الأرض متفاوتة أفراده كتفاوت أفراد جنس البشر ، فإنهم في كل الأحوال متفاوتون ، ففي الأعمار منهم من لا يعيش إلا لحظات ومنهم من يعيش قرناً أو أكثر من قرن ، ومنهم من يعيش معسراً لا يأتيه رزقه إلا بجهد جهيد ومنهم من يكون موسراً يأتيه روقه مدراراً ، ومنهم ضعيف البنية ومنهم قويها ، ومنهم من يكون حاد النظر ومنهم من يكون ضعيفه ، ومنهم من يكون ضعيف السمع ومنهم من يكون قويه ، وهكذا في جميع المواهب الذاتية والخارجية ، وكذلك هم أيضاً متفاوتون في نعمة هذا البيان ، فمن الناس من يتدفق بيانه بأبلغ العبارات وأعمق المعاني، بحيث تحار الألباب من انسجام عباراتها وعمق معانيها وعذوبة ألفاظها حتى تأخذ بمجامع القلوب وتأسر النهى وتمتلك المشاعر ، ومنهم من يكون بخلاف ذلك ، بل منهم من تجده يعييه الخطاب حتى في أبسط الأمور وأتفهها ، والبيان ذو أثرٍ نفسيٍ بالغ، ولذلك يقول علماء البلاغة بأن علم البلاغة جزء من علم النفس ؛ إذ البليغ يتحرى التأثير على سامعيه أو على قرائه حتى يستطيع أن يحوّل أحداً من عداوة بالغة إلى ضدها بتأثير بيانه ، ويجعل الشيء الذي تعافه النفس وتأباه الطبيعة أمراً محبباً إلى القلب، كما روي بأن معركة دارت بين اثنين من الحكام البويهيين وكانا ابني عم وهما عضد الدولة وعز الدولة ، وكان أبو طاهر بن بقية وزيراً لأحدهما فظفر به الآخر فألقاه إلى الفيلة فقتلته، ثم نصب له جذعاً وصلبه عليه، وهذه الحالة –بطبيعة الحال– تشمئز منها طباع البشر وتكرهها نفوسهم فلا يحب أحد أن يُقتل ويُصلب ؛ لأن النفس جُبلت على حب الحياة، مع ما في الصلب من الإهانة ، ولا يحب أحد لنفسه أن يهان سواء كان حياً أم ميتاً ، ولكن بقوة بيان الراثي لابن بقية

١٥٥ / ٣٩٩