الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٦٣ولقبح الكذب واستقباح الفطرة له ، كان عقلاء العرب في جاهليتهم يأنفون منه ويربأون بأنفسهم عن أن ينسبوا إليه ، فهذا أبو سفيان استنطقه هرقل عن أوصاف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وكان شديد الرغبة في كتم محاسنه ونسبة المساوئ إليه، إلا أنه خشي أن يتحدث أصحابه عنه بأنه كذب في قوله ، وكان هرقل أوقفهم خلفه وقال لهم :إن كَذَبني فكذبوه . وقد أخبر بنفسه أنه كان واثقاً منهم أنهم لن يكذبوه لو كذب عليه ، وإنما اتقى سوء الأحدوثة عنه لو أخبر بخلاف الواقع ، ولذلك قال عنه هرقل بعدما سمع منه الذي سمع ، لئن كنت صادقاً فيما تقول ليملكن موضع قدمي هاتين، ولو كنت أعلم أنني أخلُص إليه لتجشمت إليه حتى أغسل قدميه .. إلى آخر ما قال. وهذا ناشئ عن احترام النفس ، فإن الكذاب غير محترم لنفسه، ولذلك نفى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المؤمن صفة الكذب ، فقد قال : " يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب "(1) ، أي ليس من شأن المؤمن أن يكون كذاباً إنما من شأنه أن يكون يتحرى الصدق في كل ما يقوله ، لأن المؤمن يقف عند حدود الحق ولا يتجاوزها ، والكذب يخرج بالإنسان عن حدود الحق إلى حدود الباطل ، وعندما سُئل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أيكون المؤمن جباناً ؟ قال : نعم "(2) فإن الجبن جبَّلة في نفس صاحبها ، ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من جبلته التي جُبل عليها، فالناس مفطورون فطراً متنوعة بحسب طباعهم ، فمنهم من فطر على الإقدام ، ومنهم من فُطر على الجبن ، وسُئل أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال : نعم ، ولكن معنى ذلك أن هذه سجية في نفسها يغالبها حتى يغلبها فلا تمنعه من أداء الحقوق الواجبة عليه كالزكاة المفروضة ، وإنما معنى بخله أن نفسه تحب المال وتشح به لولا الإيمان الرادع عن منع الحق ، وعندما سُئل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أيكون
(1) سبق تخريجه.
(2) الموطأ ( 1795 ) .