الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٦٧ومن آفات اللسان الوقوع في أعراض الناس وكشف مساوئهم وإشاعة الفحشاء فيهم بنسبة ارتكابها إليهم ، وذلك من أخطر ما يدمر الأخلاق ويستأصل الفضيلة وينشر الرذيلة ، لذلك توعد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الذين يرمون المحصنات حيث قال : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخر ولهم عذابٌ عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين "(1) ، أي يوفون يومئذٍ جزاءهم الحق وهو ما أعد الله لهم من العذاب ، وناهيكم هذا الوعيد رادعاً عن الحوم حول هذا الباطل والتخلق بهذا الخلق ، وقد جعل الله - عَزَّ وَجَلَّ - مع هذه العقوبة الأخروية التي أعدها لهؤلاء الفجرة عقوبتين دنيويتين رادعتين ، يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا "(2) ، فقد جعل جزاءهم في الدنيا عقوبتين ، عقوبة جسدية وهي أن يجلدوا ثمانين جلدة ردعاً لهم عن تناول أعراض الناس بسوء ، وعقوبة أدبية معنوية وهي أن يحرموا من الثقة فلا تقبل لهم شهادة أبداً ، وقد اختُلف فيما إذا تاب القاذف أو شاهد الزور ، هل تقبل شهادته من بعد أو لا تقبل؟ بناءً على الاختلاف فيما إذا جاءت جمل متعددة معطوف بعضها على بعض ثم وليها استثناء، هل يعود على جميع تلك الجمل أو يعود على الجملة الأخيرة فقط ، وهي مسألة أصولية معروفة ، فبناءً على هذا التأصيل اختُلف في قوله : " إلا الذين تابوا " هل يعود الاستثناء على مدلول تلك الجملتين السابقتين أو يعود على الجملة الأخيرة فقط ، والإمام السالمي رحمه الله كما في جوهره يميل إلى عدم قبول شهادتهم ، حيث يقول:
وشاهد الزور ولو قد تابا
(1) النور/23.
(2) الآية رقم ( 4 ) من سورة ( النور ) .