الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٧٠ثم أتبع ذلك التحذير من الظنون السيئة والغيبة إذ قال : "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله توّابٌ رحيم "(1) ، وقد قرن بينهما كما ترون ؛ لأن سوء الظن باعث على مقالة السوء وهي الاغتياب ، وهاتان الآفتان من شأنهما قطع العلائق وإفساد ذات البين ، نعم حذّر - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من الاغتياب ، وهو كما جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أن تذكر أخاك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه "(2) ، فالاغتياب أن يذكر الإنسان أخاه في غيبته بما يكره ، إذ لا يسوغ لأحد أن يذكر أحداً من المسلمين بما يكره وإن كانت الصفة التي يكره ذكرها وإشاعتها موجودة فيه، فإن الله تعالى يحب الستر على عباده، اللهم إلا الذي لا يبالي بما يأتي وما يذر ، وهو الذي انتهك حرمته وأهدر كرامته بنفسه ، وذلك بأن لا يبالي بالمجاهرة بمعاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فإنه لا غيبة له، فيُذكر الفاسق المجاهر بما فيه لا لأجل التلذذ بذكر عورات الناس؛ ولكن من أجل التحذير من فسوقه حتى لا يغر الناس بما يظهره من القول الكاذب والمظهر الخادع مع أن حقيقته بخلاف ذلك ، وكما أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حذّر من الغيبة كذلك حذّر من النميمة بل حذر من طاعة صاحبها ، وقد قال لرسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ولا تطع كل حلاّف مهين ، همازٍ مشاءٍ بنميم ، مناعٍ للخير معتدٍ أثيم ، عتلٍ بعد ذلك زنيم"(3)، منع الله عبده ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طاعة هؤلاء ، ومن بينهم
(1) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) مسلم ( 2589 ) ، الترمذي ( 1934 ) .
(3) الآيات رقم ( 8-13 ) من سورة ( القلم ) .