الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

والخمر مصدر هذه المضار جميعاً ، فإنها إن لم تضر مباشرةً بالنسب والمال إلا أنها تؤدي إلى الضرر بهما ، وهذا واضح جلي فإنها بسبب كونها جماع الإثم تغري بالفحشاء المفسدة للأنساب والتبذير المتلف للأموال ، والإنسان مسئول عن صحة جسمه وعن المحافظة على ماله لأنه مؤتمن عليه ، إذ هو في الحقيقة مال الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، كما أنه مسئول عن عرضه ، ومن باب أولى مسئول هو عن عقله ؛ لأن العقل –كما قلنا– هو معقد التشريف ومناط التكليف، فلا يجوز للإنسان أن يستخف بأي شيء من ذلك، ومن هنا جاء هذا الأمر الرباني في حال كانت الإنسانية تودع عهد الجاهلية وتستقبل عهد الإسلام ، نعم جاء في ذلك الوقت التوجيه الرباني بأن تجتنب الإنسانية المؤمنة ما حرم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليها من الخمر والميسر وسائر مظاهر الجاهلية.

2- التدرج في تحريم الخمر:

ومن حكمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن كان تحريم الخمر تحريماً تدريجياً ، لأن الناس ألفوها في جاهليتهم ، فالعرب كانوا يعدون الإنفاق في السكر من كبريات مفاخرهم، ولذلك كان الذي لا يشرب الخمر بنفسه لا يأنف أن يسخو بها على غيره ، ويرى من العار ألا ينفق فيها ، فقد روي أن أحد العرب كان كغيره من فتيانهم مولعاً بشرب الخمر إلا أنه تزوج امرأة كانت على شيء من الوعي الفطري الذي جعلها تكره الخمر، فاشترطت عليه ألا يشربها قط ، فحرص على الوفاء بهذا الشرط ، ولكنه في يوم مر بجماعة من المدمنين حول خمارة فسقاهم ببرديه ، ونحر لهم ناقته ، وعندما رجع إلى امرأته عاتبته عتاباً شديداً وقرعته على ما عدته نكثاً لعهده، فرد عليها بقوله:

ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا

ثياب الندامى عندهم كالمغانم

ولكننا يا أم عمرو نديمنا

بمنزلة الربان ليس بعائم

أسرّك إذ ما صرع الناس نشوة

خروجي منها سالماً غير غارم

بريئاً كأني قبل لم أك منهم

وليس الخداع مرتضى في التنادم

١٧٥ / ٣٩٩