الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ١٧٦هكذا كانت العقلية العربية ، وما كان أحدهم يبالي أن ينفق كل ثروته في سبيل الخمر ، بل يعدون ذلك من أحسن السخاء الذي يجاهرون بالافتخار به، كما هو مدون في شعرهم ونثرهم ، والإسلام دين الفطرة ، جاء لينتشل الإنسانية من الضياع، وليرتقي بها من حضيض العادات السيئة إلى قمم القيم السامقة ، ولذلك أخذ يعودهم شيئاً فشيئاً البعد عن الخمر ، فقد نزل أولاً في سورة النحل ما يشير إلى أن الخمر ليست مما يستحسن ، وذلك في قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً"(1) ، ذكر السكر من غير أن يصفه بالحسن ، إنما وصف الرزق بأنه حسن ، وفي هذا ما يدل على أن السكر ليس مما تستحسنه العقول السليمة، وكان هذا بمكة المكرمة قبل الهجرة فإن سورة النحل مكية ، ثم بعد ذلك أنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - في سورة البقرة –وهي مما نزل بعد الهجرة– "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"(2)، فبسبب أُلفة العرب للخمر أصر قوم منهم على الاستمرار على شربها، وقالوا نكتسب من منافعها، وتركها آخرون اتقاءً لإثمها ، ثم بعد ذلك أنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في سورة النساء: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون "(3) ، فضيّق عليهم في شربها، لأن أوقات الصلاة متعاقبة، ففي خلال أربع وعشرين ساعة عليهم أن يصلوا خمس مرات ، وهذه الأوقات متقاربة ، فمن الصعب على من شرب الخمر أن يشربها بين صلاة وأخرى ، ولا يصل إلى ميقات الصلاة الثانية إلا وهو قد تخلص من جميع آثارها ، وكان في هذا تهيئة للنفوس أن تتقبل تحريمها القاطع، ثم بعدما تهيأت النفوس لتلقي أمره - عَزَّ وَجَلَّ - بغير تردد نزل قوله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب
(1) الآية رقم ( 67 ) من سورة ( النمل ) .
(2) الآية رقم ( 219 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 43 ) من سورة ( النساء ) .