الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

وعندما ننظر إلى هاتين الآيتين الكريمتين في سورة المائدة نجد أن حرمة الخمر فيهما قاطعة من وجوه شتى ، فقد جمع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بينها وبين الميسر ، والميسر هو أكل أموال الناس بغير حق ، وقد شدد القرآن الكريم في أكل أموال الناس بغير حق فعلم تحريمه بالقطع ، ثم إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - جمع بينها وبين الأنصاب ، وبينها وبين الأزلام ، وأخبر عن كل ذلك بأنه رجس ، وأنه من عمل الشيطان ، ثم أمر باجتناب ذلك كله بقوله: "فاجتنبوه"، ثم ناط الفلاح بهذا الاجتناب حيث قال : " لعلكم تفلحون"، ثم بيّن ما يؤدي إليه الخمر والميسر ، وهو الذي يريده الشيطان منهما بالناس ، إذ قال " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون"(1)، إذ بيّن سبحانه وتعالى هنا أن الغاية من تحبيب الخمر والميسر إلى نفوس الناس من قبل الشيطان الرجيم لأجل أن يوقع العداوة والبغضاء بينهم ، وأن يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وكل من ذلك أمر محرم ، ثم قال " فهل أنتم منتهون "(2) ولذلك تسارع الناس إلى قولهم: انتهينا انتهينا. فهل بعد هذا النص القاطع يبقى أي مجال للشك في حرمة الخمر؟ ونجد الأحاديث النبوية عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تؤكد هذا المعنى الذي دلت عليه الآيتان الكريمتان ، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الجماعة –إلا البخاري– من طريق ابن عمر رضي الله عنهما ، وأخرجه الإمام الربيع رحمه الله من طريق ابن عباس رضي الله عنهما "من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة"(3)، مع أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أخبر عن الجنة بأن فيها أنهاراً من خمر، والحيلولة بين شاربها الذي لم يتب منها في هذه وبين شربها في الآخرة دليل

(1) الآية رقم ( 91 ) من سورة ( المائدة ) .

(2) الآية رقم ( 91 ) من سورة ( المائدة ) .

(3) الربيع (627).

١٧٨ / ٣٩٩