الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

فإذا كان الإنسان مع تقدم عمره يزداد من الخير والعمل الصالح ؛ ترجى له خاتمة الخير ، أما إن كان يرتكس في الفساد(1) كلما تقدم به العمر ، فإن ذلك أدعى إلى التشاؤم في عاقبة أمره ، وحسب كل أحد أن يرى كيف تتساقط منه هذه الأنفاس المتتابعة ، فهي بمثابة قطرات السقاء الذي حل وكاؤه ، فلا يزال ما فيه يتقاطر حتى ينفد ، ومعنى هذا أن الأنفاس التي يتنفسها الإنسان وهو يجتاز مرحلة هذه الحياة؛ إنما كل نفس منها هو خطوة من خطواته السريعة إلى الدار الآخرة.

ولئن كان العمر مهما طال خيالاً عابراً وطيفاً زائلاً فإن الشباب هو أكثر سرعة وأدنى إلى الزوال لأنه جزء من هذا العمر، والمرء وهو معجب بشبابه لا يكاد يغمض عينيه ويفتحها إلا على شباب ولّى ومشيب مقبل، لذلك كان الناس يبكون شبابهم بعد ما تنطوي صفحته ويذبل عوده، ويتمنون أن لو يعود إليهم مرة أخرى لطيب ذكرياته وغزارة عطائه، ولكن أنى لهم ذلك ولن يعود أمس الدابر؟ وقد أجاد التهامي حيث قال:

شيئان ينقشعان أول وهلةٍ

ظل الشباب وخلة الأشرار

لا حبذا الشيب الوفي وحبذا

ظل الشباب الخائن الغدار

وطرى من الدنيا الشباب وردمه

فإذا مضى فقد انقضت أوطاري

قصرت مسافته وما حسناته

عندي ولا آلاؤه بقصار

(1) يرتكس في الفساد: يقع ويتردد فيه.

١٩٦ / ٣٩٩