الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

وقد اقتضت حكمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن تكون حياة الإنسان متنقلة ، ما بين الطفولة واليفاع والشباب والكهولة والشيخوخة والهرم ، ومعنى ذلك أنها تنقلب من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف مرة أخرى ، وذلك لحكمة أرادها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لتكون رحمة بالإنسان لئلا يغتر بما يراه في نفسه من قوة وفتوة ، فإن هذه القوة سرعان ما تضمحل ، ولو بقي الإنسان على حالة واحدة لنسي أن له منقلباً يتحول إليه من هذه الدار ، ولكن ما يراه في نفسه وهي تتقلب من حالٍ إلى حال داع له إلى الاعتبار والادكار والإيقان بالمصير المحتوم ، إذ تقلب الأحوال من دواعي الزوال ، وحسب الإنسان أن يفكر في حاله كيف نشأ ضعيفاً ، لا يستطيع أن يدفع أي أذى عن نفسه، لو وقع على عينيه ذباب لما أمكنه ذبه ، أو لحقه أذىً لما استطاع التحايل على التخلص منه ، ثم تتدرج القوة فيه شيئاً فشيئاً حتى تتكامل مع تكامل الشباب ، ثم يأخذ في الانحدار وتلاشي ما أوتي من قوة شيئاً فشيئاً إلى أن يعود كما كان ضعيفاً إن أمهل له في عمره وأنسئ له في أجله ، بل يغدو أضعف مما كان ، لأنه لا ينتقل إلا إلى الأسوأ، فحياته صعود وهبوط كما قال تعالى : "ومن نعمره ننكسه في الخلق " ، وهو مما يدعو الإنسان إلى الاعتبار والاستعبار ، فإن ذلك يدفع به إلى أن يفكر في يومه وغده ، وفي حاضره ومستقبله، وفي حياته ومماته ، وفي دنياه وآخرته ليغتنم الفرص كما جاء في حديث : " اغتنم خمساً قبل خمس .. الخ " ، وليتزود العمل الصالح الذي يقربه إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - زلفى ، وعندما يكون في مرحلة الشباب ، وهي مرحلة القوة والفتوة وهو يفكر كيف يسير به قطار الزمن ، تنبعث همم الخير وعزائم التقوى في نفسه فيحرص على انتهاز فرصة شبابه لعمل الخير والإكثار منه ، وعدم تفويت هذه الفرص فتمر هدراً ، ويدرك الإنسان من خلال النظر في أحوال الشعوب والأمم والمجتمعات قيمة الشباب ، فإنها جميعاً

١٩٧ / ٣٩٩