الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣وهذا يعني أن ذلك الشباب قد تحرر من العبودية للدنيا وخلصت عبوديته لربه سبحانه فانقادت له شهواته ولم ينقد لها واستسلمت له رغباته ولم يستسلم لها فما كان من الدنيا إلا أن انقادت لهم خاضعة ذليلة فأخضعوها لحكم الله لا لهوى نفوسهم، إذ كل رغبتهم في الحياة إنما هي نصرة دين الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وأن يصدع بأمر الله في هذه الأرض، لذلك لم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الجبارين وتيجان المستكبرين، فاستولوا على ممالك كسرى وقيصر ، وعندما فتحت هذه الممالك ، ورأوا ما رأوا من متاع الحياة الدنيا ، لم يسل لعابهم على شيء من ذلك ، وإنما كل ما كان يسعون إليه هو أن تعلو كلمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في الأرض ، وأن تسفل كلمة الكفر حتى يكون الدين لله وحده ، وحاول أعداء الإسلام أن يساوموهم ليتراجعوا عن شيء مما هم فيه ، ولكن أنّى ذلك وقد رسخ الإيمان في قلوبهم ؟ فقد حاولوا أن يغروهم بما يتمتعون به من متع الحياة الدنيا وأن يساوموهم على مبادئهم ، ولكنهم باؤا بالفشل وأخفقوا في محاولاتهم ، فقد حاول رستم قائد جيش فارس أن يساوم الجيش الإسلامي ، وطلب من القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن يرسل إليه من يفاوضه ، فأرسل إليه ربعي بن عامر ومعه عشرون راكباً من المسلمين ، وكانت عليهم أسمال بالية ، ولما وصلوا إلى رستم القائد الفارسي وجدوا ما يخيل إليه أنهم تستطير ألبابهم منه ، فقد استقبلهم في مظاهر الفخر والخيلاء ، إذ بسط البسط المطرزة بخيوط الذهب ، وصفف الكراسي الذهبية المنمقة بالأحجار الكريمة ، وصفف النمارق المطرزة بالذهب ، وكل ذلك لم يسل لعابهم من أجله ولم يمتد نظرهم إليه، بل كان جواب ربعي بن عامر لرستم ينم عن احتقاره للحالة التي وجدها عند رستم واستهجانه لما فعل وذلك عندما سأله : ما الذي جاء بكم ؟ فقال له : إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان