الدين والحياة1
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة(1).
وهكذا مضى ذلك الجيل الذي تربى في عهد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على القرآن الكريم والطريق المستقيم والعقيدة الراسخة والعبادة الخالصة لوجه الله ، وقد قدم أغلى ما يملك في سبيل نشر هذه الدعوة ، إذ قدم ضريبة الدمع والدم والنفس والنفيس من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، والذين استمروا على طريقتهم ونهجوا نهجهم من بعد ؛ ما كان شبابهم أيضاً إلا من جنس أولئك الشباب الصالحين ، فعندما استولت الشهوات على هذه الأمة –شيبها وشبابها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على لهيب النار– كان أهل الحق والاستقامة على نفس ذلك النهج الذي كان عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ، لم تستفزهم الدنيا ببريقها ولم تختلبهم بزهرتها ، وإنما كانوا ينظرون إليها كما ينظر أحدنا إلى الجيفة الملقاة المنتنة المتعفنة وقد اجتمع حولها الذباب ، فهذا أبو حمزة الشاري(2) رحمه الله يدافع عن أصحابه ، عندما عُيّر بهم أنهم من جنس الشباب ، وقد هزأ بهم الهازئون وسخر منهم الساخرون ، فقال : ( يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب ، وهل كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا شباباً؟ نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم ، غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم ، أنضاء(3) عبادة وأطلاح(4) سهر، موصول كلالهم بكلالهم(5)، وقيام ليلهم بصيام نهارهم ، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وأرجلهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص37، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.
(2) أبو حمزة الشاري:
(3) النِّضو: المهزول، والمقصود هنا أن اجسادهم هزلت من كثرة العبادة.
(4) أطلاح: منهكون، والمقصود أن السهر في العبادة أنهكهم وأهزلهم.
(5) الكلال: الإعياء والتعب.