الدين والحياة 1 أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدين والحياة1

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

إن مشاهدة الإنسان لهذه النعمة العظيمة التي يسبح في عبابها المتلاطم ، وتحيط به من كل جوانبه ، فهي تملأ وجوده وتملأ ما حوله ، تفرض عليه أن يطيع الله ولا يعصيه، ويوحده ولا يشرك به ، ويعبده ولا يجحده ، ويتقيه ولا يتجرأ على محارمه ، فحق الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الطاعة المطلقة من هذا العبد في كل تصرفاته وأعماله ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لم يخلق الإنسان هملاً ، ولم يتركه سدى ، بل ناط به أمانة الخلافة في الأرض، والخلافة هي تكليف وتشريف معاً ، فكما أنها هبة من الله اختص بها الإنسان ، هي أيضاً مسئولية يتحمل أوزارها ، ولا يمكن أن يقوم بواجباتها إلا عندما يكون على صلة بربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ؛ لذلك شرع الله - عَزَّ وَجَلَّ - العبادات إذكاءً لجذوة العقيدة في نفس الإنسان ، وتمتيناً لحبال الصلة بينه وبين ربه، وتقوية للعلاقات بينه وبين الناس وسائر الخلق ، هذه الصلة جعلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمراً ضرورياً ، من حيث إن لكل عبادة من العبادات أثراً بالغاً في نفس الإنسان وفي تعامله مع غيره ، وفي الانسجام التام بين جوانب الحقيقة الإنسانية نفسها ، فإن الإنسان تتفاعل حركاته الاختيارية والاضطرارية ؛ أي الكسبية والفطرية ، تفاعلاً منسجماً عندما يقوم بالعبادة على وجهها المشروع ، كما أنها أيضاً تؤدي إلى تفاعل حركته مع نظام الكون الذي يسبح كل شيء منه بحمد الله ، ويسجد كل ما فيه لجلاله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فالعبادة أمر ضروري بالنسبة إلى هذا الإنسان ، وكذلك الطاعة في سائر الأعمال والتصرفات ، على أن هذه الطاعة التي يعبر عنها بالتقوى –لأن بها اتقاء سخط الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بفعل أوامره واجتناب نواهيه– هي ميزان التفاضل بين الناس ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسب أو سبب ، إلا هذا السبب الوحيد وهو التقوى، وهو ما بيّنه قوله سبحانه

٢١٣ / ٣٩٩